أزمة تأشيرات كأس العالم تكشف حالة الانقسام الأمريكي حول الهجرة والهوية والانتماء
بتوقيت بيروت -

أكد مقال تحليلي نشرته منصة «ذا أتلتيك» التابعة لصحيفة «نيويورك تايمز»، أن وصول بطولة كأس العالم إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد 96 عامًا تحمل طابعاً استثنائياً ومثيراً للجدل في آن واحد، ليس فقط لكونها حدثاً رياضياً عالمياً، بل لأنها تكشف حالة انقسام عميقة داخل البلد المضيف حول هويته ومكانه في العالم.

ويستعيد المقال قصة أول قائد لمنتخب الولايات المتحدة في كأس العالم عام 1930، توم فلوري، ابن المهاجرين الإيطاليين من نيوجيرسي، الذي قاد فريقاً مكوّناً من عمال مصانع ونشطاء مجنسين ولاعبين هواة من خلفيات مهاجرة مختلفة، في بطولة أوروغواي الأولى، حيث حقق المنتخب حينها أفضل إنجاز في تاريخه بالوصول إلى الدور نصف النهائي.

ويشير المقال إلى أن تلك النسخة الأولى كانت نموذجاً مبكراً لفكرة “أمريكا المهاجرين”، حيث لم تكن هناك خلافات حول الهوية أو الانتماء، بل فريق يجمعه هدف واحد داخل بطولة استمرت 18 يوماً، بينما كانت الرحلة إلى البطولة نفسها على متن سفينة واحدة جمعت المنتخب الأمريكي مع منتخب المكسيك، في أجواء وُصفت بالانسجام الكامل.

لكن بعد مرور 96 عاماً، يرى المقال أن تلك الصورة التاريخية لم تعد تنعكس بالوضوح نفسه، مع عودة البطولة إلى الولايات المتحدة، التي تستضيف نسخة 2026 وسط انقسام داخلي حول قضايا الهوية والهجرة والانتماء.

ويقول المقال إن الولايات المتحدة اليوم تعيش حالة “صراع داخلي” حول معنى أن تكون مضيفاً للعالم، فهناك طرف يرى البطولة فرصة لإظهار بلد متنوع ومفتوح، بينما يرى طرف آخر أن هذا التنوع ذاته يشكل تهديداً، في وقت تتابع فيه دول العالم هذا المشهد بدهشة وقلق من تحولات السياسة الأمريكية واتجاهها نحو الانغلاق.

ويربط الكاتب بين هذا الواقع وبين السياسات الحكومية الصارمة التي سبقت البطولة، مثل تشديد إجراءات الهجرة، ورفض بعض طلبات التأشيرة، ومخاوف مرتبطة بالاحتجاز على الحدود، ما انعكس على انخفاض الحجوزات الفندقية الدولية في المدن المستضيفة مقارنة بالتوقعات.

ويشير المقال أيضاً إلى حالة الجدل التي أثارها منع دخول الحكم الصومالي عمر أرتان، باعتباره مثالاً على “التعقيدات البيروقراطية” التي رافقت تنظيم الحدث، والتي أعطت انطباعاً بأن دعوة العالم للمشاركة جاءت مصحوبة بشروط صارمة وغير متوقعة.

ويستعرض الكاتب مسار حصول الولايات المتحدة على حق تنظيم البطولة بعد سنوات طويلة من المحاولات، بدءاً من محاولات ملف استضافة كأس العالم 2022، ثم الملف المشترك مع كندا والمكسيك الذي فاز بحق استضافة نسخة 2026، مشيراً إلى تصريحات سابقة للرئيس الأسبق بيل كلينتون، الذي قال إن قوة أمريكا تكمن في قدرتها على ملء الملاعب بجماهير من كل الخلفيات.

كما ينقل المقال رؤية مؤرخة الرياضة في جامعة ولاية أريزونا، فيكتوريا جاكسون، التي أعادت صياغة تلك العبارة بقولها إن “لا وجود لفرق خارج الأرض في أمريكا”، في إشارة إلى التنوع الكبير في الجاليات التي تجعل كل منتخب يحظى بجماهير محلية داعمة له.

ويستحضر المقال أيضاً تجربة مونديال 1994 في الولايات المتحدة، الذي حقق حضوراً جماهيرياً قياسياً تجاوز 3.6 مليون متفرج، ما اعتُبر دليلاً على أن كرة القدم وجدت بالفعل أرضاً خصبة داخل المجتمع الأمريكي متعدد الثقافات.

لكن الكاتب يرى أن النسخة الحالية تأتي في سياق مختلف وأكثر تعقيداً، خصوصاً مع التوترات السياسية والاجتماعية التي سبقت البطولة، بما في ذلك احتجاجات في لوس أنجلوس العام الماضي، وانتشار قوات عسكرية في بعض المناطق، ما جعل المدينة – بحسب المقال – رمزاً لحالة “التوتر بين الحلم الأمريكي والواقع السياسي”.

وفي المقابل، يبرز المقال مشاهد من الحياة اليومية في لوس أنجلوس مع اقتراب المباراة الافتتاحية بين الولايات المتحدة وباراغواي، حيث تنتشر أجواء البطولة في الأحياء الشعبية مثل بويل هايتس، وتُجهز الشاشات العملاقة في الساحات العامة، في مشهد يعكس التناقض بين الحياة المدنية والقرارات السياسية.

ويختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن كرة القدم في هذا السياق تتحول إلى مرآة تعكس صورة الولايات المتحدة للعالم، وتكشف في الوقت نفسه عن تناقضاتها الداخلية، بين بلد يملك القدرة على جمع الشعوب، لكنه في الوقت ذاته يعيش جدلاً حاداً حول معنى هذا الجمع وحدوده.

ويؤكد المقال أن كأس العالم في الولايات المتحدة ليست مجرد بطولة رياضية، بل اختبار رمزي لهوية الدولة المضيفة، في وقت يتساءل فيه كثيرون حول العالم: أي أمريكا تستقبل العالم هذه المرة؟



إقرأ المزيد