لبنانون فايلز - 5/22/2026 6:43:23 AM - GMT (+2 )
في بلدٍ تراجعت فيه قدرة المصارف على منح القروض، بسبب تقاعس الدولة عن معالجة أزمة الانهيار منذ العام 2019، وتآكلت فيه القدرة الشرائية بفعل الأزمة الاقتصادية والانهيار النقدي، وجد عدد كبير من اللبنانيين أنفسهم أمام واقع مالي جديد: لا قروض سكنية، ولا تسهيلات استهلاكية، ولا قدرة فعلية على الادخار الفردي. وبين الحاجة الملحّة وتأمين الحد الأدنى من المتطلبات المعيشية، برزت ظاهرة "الجمعيات" كبديل شعبي يُشبه القرض المصغّر القائم على الثقة والتعاون بين الأفراد.
يقوم مبدأ ولادة "الجمعية" على اتفاق مجموعة من الأشخاص، غالبًا من الأصدقاء أو الأقارب أو زملاء العمل، على دفع مبلغ مالي شهري يتراوح عادةً بين 100 و200 دولار، ليحصل أحد المشتركين كل شهر على كامل المبلغ، على أن ينتقل الدور تباعًا بين الأعضاء حتى انتهاء الدورة التي قد تضم بين 10 و15 شخصًا أو أكثر.
هذه الظاهرة، التي كانت موجودة بشكل محدود سابقًا، تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى وسيلة مالية شبه أساسية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، خصوصًا مع غياب القروض المصرفية وارتفاع كلفة المعيشة. كثيرون لم يعودوا قادرين على جمع مبلغ مالي دفعة واحدة، فيما تسمح لهم "الجمعية" بالحصول على مبلغ يساعدهم في تغطية حاجات ضرورية، كشراء سيارة مستعملة، دفع جزء من قسط جامعي، ترميم منزل، أو حتى تأمين تكاليف الزواج والفرش.
نظرة مختلفة
في المقابل، تختلف النظرة إلى هذه الظاهرة. فهناك من يعتبر أن "الجمعية" لا تشكّل حلًا فعليًا، بل مجرد تدوير للأموال بين الأفراد، وأن من يريد الادخار يمكنه القيام بذلك بمفرده من دون الالتزام بمجموعة. لكن هذا الرأي يصطدم بواقع نفسي ومعيشي صعب، إذ يؤكد كثيرون أن الالتزام الجماعي يُجبر الشخص على اقتطاع مبلغ شهري لم يكن ليتمكن من توفيره بمفرده وسط الضغوط اليومية.
سارة، وهي موظفة في شركة خاصة، تقول: "إنها اشتركت في "جمعية" تضم 12 شخصًا، يدفع كل منهم 150 دولارًا شهريًا". وتوضح أن راتبها بالكاد يكفي المصاريف الأساسية، لذلك لم تكن قادرة على الادخار، "لكن فكرة أنني ملزمة بالدفع كل شهر جعلتني أوفّر بطريقة غير مباشرة، وعندما قبضت الجمعية استطعت شراء أثاث كنت أؤجّله منذ سنوات".
أما حسين، وهو موظف في قطاع الخدمات، فيعتبر أن "الجمعيات" أصبحت البديل الوحيد عن القروض الصغيرة التي كانت المصارف تؤمّنها سابقًا. ويشير إلى أنه "استخدم المبلغ الذي حصل عليه لدفع دفعة أولى لسيارة تساعده في عمله"، مضيفًا أن "المصرف اليوم لا يعطيك شيئًا، بينما الناس عادت تعتمد على بعضها".
بدورها، تقول ندى إنها دخلت أكثر من "جمعية" في الوقت نفسه لتأمين مصاريف تعليم أولادها، معتبرة أن الأمر بات يشبه "نظام تمويل شعبي" غير رسمي، لكنه قائم على الثقة والعلاقات الاجتماعية.
اقتصاديًا، تعكس هذه الظاهرة تحوّلًا واضحًا في سلوك اللبناني المالي، حيث انتقل جزء من المجتمع من الاعتماد على المؤسسات المصرفية إلى الاعتماد على شبكات اجتماعية مصغّرة لتأمين السيولة، في إطار من التكافل الأهلي الذي فرضه الوضع القائم.
في موازاة انتشار "الجمعيات"، يرى مراقبون أن "عودة المصارف إلى لعب دورها الطبيعي في تمويل الأفراد والمؤسسات تبقى عاملًا أساسيًا لإعادة التوازن إلى الحركة الاقتصادية. فالقروض، حين تكون مدروسة ومبنية على أسس واضحة، لا تقتصر أهميتها على تلبية حاجات المواطنين فحسب، بل تساهم أيضًا في تحريك الأسواق وخلق دورة اقتصادية أكثر استقرارًا. إلا أن الواقع الحالي دفع شريحة واسعة من اللبنانيين إلى البحث عن بدائل شعبية ومحدودة الإمكانات، في انتظار استعادة القطاع المالي قدرته على تأدية دوره التقليدي في دعم الاقتصاد وتمويل الحاجات الأساسية للمواطنين".
ورغم المخاطر التي قد ترافق بعض "الجمعيات"، خصوصًا في حال تخلّف أحد الأعضاء عن الدفع، إلا أنها بالنسبة لكثير من اللبنانيين لم تعد مجرد عادة اجتماعية، بل وسيلة للبقاء وتأمين الحد الأدنى من القدرة على التخطيط للمستقبل، في وقت بات فيه الحصول على قرض مصرفي حلمًا بعيد المنال، مع الإشارة إلى عدم وجود إطار قانوني يحمي المشاركين في هذا النوع من التكافل لجمع الأموال، وتعرّضهم للاحتيال يصعب تعويضه.
رماح هاشم - نداء الوطن
The post "الجمعيات"…بديل شعبي عن القروض المصرفية appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.
إقرأ المزيد


