النفط والأسمدة والمعادن.. "صدمة السلع" تعصف بتعافي إفريقيا
لبنانون فايلز -

لم تكد أفريقيا  تخرج من عقد من النمو المتقلب حتى وجدت نفسها أمام صدمة جديدة؛ فوفقًا لصندوق النق​د الدولي، اقتطع النزاع في الشرق الأوسط بالفعل نحو 0.3 نقطة مئوية من نمو المنطقة في عام 2026.

ويعود ذلك أساسًا إلى الارتفاع الكبير في أسعار السلع الأولية، وفي مقدمتها النفط، حيث قفز سعر برميل خام برنت إلى 118 دولارًا في مارس قبل أن يستقر حاليًا عند نحو 85 دولارًا. صدمة عنيفة تعكس مجددًا هشاشة القارة أمام التقلبات الخارجية، وفقاً لـ"جون أفريك".

ولا تقتصر التداعيات على النفط فقط. فقد أشار البنك الدولي في تقريره الأخير «آفاق أسواق السلع» الصادر في 28 أبريل إلى ارتفاع حاد في أسعار الغاز الطبيعي، بنسبة 94% في آسيا و59% في أوروبا خلال شهر مارس وحده.

ووفق سيناريو يفترض انحسار الاضطرابات التجارية الكبرى بحلول مايو وعودة تدفقات العبور عبر مضيق هرمز تدريجيًا إلى مستويات ما قبل الحرب بحلول أكتوبر، يُتوقع أن ترتفع أسعار الطاقة بنسبة 24% في عام 2026، ما سيدفع أسعار السلع الأولية إجمالًا إلى الارتفاع بنحو 16% خلال العام، في زيادة تُعد الأولى من نوعها منذ عام 2022.

تداعيات سريعة بآثار غير متكافئة
تتأثر المدخلات  الزراعية بشكل خاص، إذ يُتوقع أن ترتفع أسعار الأسمدة بنسبة 31%، مع قفزة تقارب 60% في أسعار اليوريا، نتيجة اضطرابات الصادرات وارتفاع تكاليف الغاز الطبيعي.

وفي أفريقيا، تبدو التأثيرات فورية؛ ففي مصر، التي تعتمد بشكل كبير على وارداتها من دول الخليج، ارتفعت أسعار اليوريا بشكل ملحوظ، وهو الاتجاه نفسه المسجل في الجزائر ونيجيريا. في الوقت ذاته، بلغت أسعار المعادن الصناعية مستويات قياسية، فيما ارتفعت أسعار المعادن الثمينة بنسبة 84% على أساس سنوي.

وعلى المدى الطويل، يحذر البنك الدولي من أن الصراع قد يؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي عبر تقليص استخدام الأسمدة، في تكرار لما حدث خلال 2021-2022، حين تراجع استخدام المدخلات الزراعية بفعل ارتفاع الأسعار عقب جائحة كورونا، قبل أن تتفاقم الأزمة نتيجة اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. وفي أفريقيا جنوب الصحراء، انخفض استخدام الأسمدة النيتروجينية لكل هكتار بنسبة 9% في 2021 و12% في 2022.

اقتصادات في اختبار الصمود
ينعكس هذا الاضطراب العالمي بشكل متفاوت على اقتصادات القارة. ففي السيناريو المرجعي، تواجه الدول منخفضة الدخل والمستوردة الصافية للطاقة تراجعًا تراكميًا في نموها بنحو 0.5 نقطة مئوية خلال 2026-2027.

وتشمل هذه الفئة دولًا مثل السنغال ورواندا وكينيا ومالاوي، حيث تنتقل صدمة أسعار الطاقة سريعًا إلى تكاليف الإنتاج والأسعار الاستهلاكية، وسط اضطرابات متزايدة في إمدادات الوقود تؤثر على النقل وتوليد الكهرباء والنشاط الصناعي.

وفي بعض الحالات، مثل مالي وزيمبابوي، بدأت زيادات أسعار الوقود تُغذي توترات اجتماعية. في المقابل، تستفيد الدول المصدرة للهيدروكربونات من تحسن عائداتها الخارجية، مع مكاسب تُقدّر بنحو 1.1 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في ميزان الحساب الجاري، كما هو الحال في الجزائر وأنغولا ونيجيريا.

التضخم يخنق القدرة الشرائية
يُشكل ارتفاع أسعار السلع ضغطًا مباشرًا على التوازنات الاقتصادية الكلية. فبعد تراجع ملحوظ في 2025، عاد التضخم إلى الارتفاع، وقد يبلغ 5% بحلول نهاية 2026، مع احتمال تجاوزه هذا المستوى في حال تفاقم الضغوط. وفي المقابل، تم خفض توقعات النمو إلى 4.3% لعام 2026، مع خسائر أكبر في الدول المستوردة للنفط.

ولا تتوقف التأثيرات عند المؤشرات الاقتصادية، بل تمتد إلى القدرة الشرائية للأسر، خصوصًا عبر ارتفاع أسعار الغذاء.

ورغم أن أسعار المنتجات الزراعية العالمية شهدت زيادات محدودة نسبيًا — حيث ارتفعت أسعار الحبوب بنسبة 7% والقمح بنسبة 13% منذ بداية الأزمة — فإن ذلك لا يعكس استقرارًا حقيقيًا، إذ تؤدي الزيادة الحادة في تكاليف الأسمدة والنقل إلى  تضخم غذائي أعلى على المستوى المحلي. وقد ارتفعت أسعار اليوريا وحدها بنحو 46% خلال شهر واحد بين فبراير ومارس 2026.

وتُظهر بيانات مارس 2026 تسارعًا متزامنًا في التضخم عبر عدة مناطق، لا سيما في أفريقيا جنوب الصحراء، ما يثير مخاوف بشأن الأشهر المقبلة، خصوصًا في الدول الأكثر اعتمادًا على واردات الغذاء.

تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن استمرار أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل قد يدفع ما يصل إلى 45 مليون شخص إضافي عالميًا إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي، أكثر من نصفهم في أفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

كما يتوقع برنامج الأغذية العالمي ارتفاع عدد المتضررين من انعدام الأمن الغذائي بنسبة 21% في غرب ووسط أفريقيا، و17% في شرق وجنوب القارة، إذا استمر الصراع لما بعد منتصف العام.

وتزداد خطورة هذه الأرقام بالنظر إلى أن الإنفاق على الغذاء يمثل نحو 36% من استهلاك الأسر في الدول منخفضة الدخل، مقارنة بـ9% فقط في الاقتصادات المتقدمة. كما تُعد أفريقيا جنوب الصحراء الأكثر عرضة لمخاطر واردات الغذاء، بسبب اعتمادها الكبير عليها، إلى جانب ارتفاع مستويات الهشاشة الغذائية.

تبقى التوقعات على المدى المتوسط رهينة بتطورات الصراع. ففي السيناريو الأساسي، يرجح  البنك الدولي أن يؤدي تراجع التوترات إلى انخفاض تدريجي في أسعار السلع بدءًا من 2027، مع استقرار سعر النفط عند نحو 70 دولارًا للبرميل. أما في حال استمرار الأزمة، فقد يتراوح سعر خام برنت بين 95 و115 دولارًا، مع تداعيات كبيرة على النمو والتضخم.

وفي جميع الأحوال، يبدو أن التعافي الذي سجلته أفريقيا في 2025، حين بلغ النمو 4.5% مقارنة بـ4.2% في 2024، مدفوعًا خصوصًا بانتعاش اقتصادات كبرى مثل نيجيريا وإثيوبيا،و قد يكون قصير الأمد في ظل هذه الصدمة الجديدة.

The post النفط والأسمدة والمعادن.. "صدمة السلع" تعصف بتعافي إفريقيا appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.



إقرأ المزيد