نفط وغاز ومعادن ثروات إيرانيّة في عيون ترامب
بتوقيت بيروت -

في خضم المفاوضات حول ملف إيران النووي، والتي سبقت التصعيد الأخير، أشار نائب وزير الخارجيّة الإيراني حميد قنبري إلى سعي بلاده لتضمين الاتفاق “فوائد اقتصاديّة للطرفين”، بدل اقتصار التفاهمات على الجانب “النووي المؤقّت”. في تلك المرحلة، علّل قنبري هذا الاتجاه بضرورة ضمان “استدامة الاتفاق”، وأفاد بأنّ التفاهمات الاقتصاديّة قد تشمل قطاعات النفط والغاز والاستثمار في التعدين وشراء الطائرات فضلًا عن “الاستفادة من الموارد المقيّدة اقتصاديًا”، بما يحقّق المنفعة للولايات المتحدة الأميركيّة. ومنذ ذلك الوقت، بدا أنّ طموحات واشنطن الاقتصاديّة كانت جزءًا من الملفّات المطروحة للبحث، إلى جانب الملف النووي والمسائل الأمنيّة والعسكريّة.

ما قاله قنبري، عكس فهم طهران لعقليّة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المأخوذة حاليًا بالصراع على سلاسل توريد المعادن النادرة ومصادر الطاقة، كما بيّنت المقاربة الأميركيّة لملفّات أخرى في سائر أنحاء العالم. والمُغري في حالة إيران، لم يكن وجود هذه الثروات الطبيعيّة فقط، بل افتقار السوق وعطشها للاستثمارات اللازمة للاستفادة منها، بفعل العقوبات القائمة، وهذا ما يشكّل فرصًا ذهبيّة للشركات الأميركيّة المهتمّة بالاستثمار في إيران. مع الإشارة إلى أنّ وضع اليد على المعادن النادرة يكتسب أبعادًا استراتيجيّة بالنسبة لواشنطن، في ظل التسابق مع الصين على ريادة الصناعات التكنولوجيّة والعسكريّة وسلاسل إنتاج مصادر الطاقة المتجدّدة. أمّا الصراع على سلاسل توريد مصادر الطاقة، فله أهميّته ضمن أوراق الضغط التي تملكها واشنطن في علاقاتها الدوليّة، كما بيّنت التجربة.

احتياطات النفط والغاز

من السهل تقدير أهميّة احتياطات النفط الإيرانيّة، البالغة قرابة 208 مليار برميل؛ أي ما يشكّل حاليًا 12 بالمئة من احتياطات النفط المؤكّدة والمكتشفة في العالم. بهذه الأرقام، تحل إيران في المرتبة الثالثة، بعد فنزويلا والسعوديّة، لجهة حجم هذه الاحتياطات.

غير أنّ الأرقام هنا تبيّن ما هو أكثر أهميّة. فإنتاج إيران البترولي من النفط الخام والسائل المُكرّر معاً، لا يتجاوز حدود الـ 4.6 مليون برميل يوميًا، ما يشكّل فقط 4.5 بالمئة من إجمالي الإنتاج العالمي. بهذا المعنى، ثمّة فجوة واضحة وشاسعة ما بين نسبة الاحتياطات الإيرانيّة، من احتياطات النفط العالميّة، ونسبة الإنتاج البترولي من إجمالي الإنتاج العالمي. ولهذه الفجوة سبب واضح وبسيط: نقص الاستثمارات في مجال إنتاج النفط وتكريره. وهذا النقص مرتبط طبعًا بالقيود والعقوبات المفروضة على الشركات الغربيّة، ما يمكن استثمار هذه الاحتياطات بشكلٍ أمثل.

الأرقام المتاحة لدى السلطات الإيرانيّة تفيد بأنّ إيران تحتاج ما بين 170 و180 مليار دولار أميركي من الاستثمار المباشر في قطاع النفط، للتمكّن من زيادة الإنتاج بقرابة مليون برميل يوميًا. غير أنّ الحكومة الإيرانيّة لا تستطيع حاليًا تأمين أكثر من 10 مليارات دولار أميركي من مواردها المحليّة. أمّا إعادة تأهيل وتوسيع بنية الصناعة النفطيّة، للاستفادة من طاقتها بشكلٍ أمثل، فتحتاج إلى رقمٍ أكبر يتراوح ما بين 200 و250 مليار دولار أميركي.

ولا يختلف الأمر كثيرًا في مجال الغاز الطبيعي. فأرقام السلطات الإيرانيّة تفيد بوجود احتياطات تبلغ أكثر من 34 ترليون متر مكعّب من هذه المادّة، ما يشكّل نحو 18 بالمئة من احتياطات الغاز المؤكّدة في العالم. ومع ذلك، لا يتجاوز إجمالي صادرات الغاز السنويّة حدود الـ 9 مليار متر مكعّب سنويًا؛ أي ما يشكّل 3 بالمئة من سوق الغاز العالميّة. ووفق التحذيرات الرسميّة، من المحتمل أن تتحوّل إيران، بالرغم من كل هذه الاحتياطات، إلى مستورد صافٍ للغاز، وبعجز يقترب من 512 مليون متر مكعّب بحلول العام 2041، إذا لم تُضخ استثمارات جديدة وكافية في هذا القطاع.

احتياطات المعادن

لإيران أيضًا موقعها في مجال المعادن. فاحتياطات النحاس المؤكّدة تبلغ قرابة 2.6 مليار طن؛ أي نحو 5 بالمئة من احتياطات المعادن المؤكّدة. مع العلم أنّ أكثر من 60 بالمئة من الطلب العالمي على النحاس يرتبط بتطبيقات الكهرباء والتكنولوجيا والإلكترونيّات، نظرًا لاستخدامه في صناعة الكابلات والمحوّلات ولوحات التوزيع وأنظمة الشبكات. أما صناعة السيّارات الكهربائيّة، فتحتاج إلى كميات أكبر بـ 4 مرّات، من النحاس، مقارنة بالسيارات التقليديّة.

في مجال الزنك والرصاص، تتجاوز احتياطات إيران حدود الـ 220 مليون طن خام، ما يشكّل أيضًا 5 بالمئة من احتياطات العالم المؤكّدة في هذا القطاع. وتكمن أهميّة الرصاص الصناعيّة في دخوله كمادّة أوليّة لإنتاج البطاريّات وأنظمة الطاقة الاحتياطيّة وتخزين الكهرباء، بينما يدخل الزنك كمادّة أوليّة لتغليف الفولاذ، عند إنشاء البنى التحتيّة الأساسيّة مثل الجسور والأبنية وأنابيب المياه وأعمدة الكهرباء.

وتشير الأرقام كذلك إلى امتلاك إيران لنحو 10 بالمئة من احتياطات معدن الأنتيمون، في مقاطعتي سستان وبلوشستان. مع العلم أنّ هذه المادّة تدخل في صناعة الإلكترونيات المتقدمة والبطاريّات. كما يحتوي هذا الإقليم بالتحديد على حقول عدّة واحتياطات متنوّعة من معادن أخرى، مثل الكروم والنحاس والحديد والرصاص والزنك والذهب والنيكل وغيرها. وتمامًا كحال قطاعي النفط والغاز، تحتاج الحكومة الإيرانيّة إلى كميّة ضخمة من استثمارات القطاع الخاص، للتمكّن من استثمار هذه الاحتياطات على نحوٍ مجدٍ في المستقبل.

في خلاصة الأمر، ستحدّد التسوية النهائيّة، إذاحصلت لاحقًا، مصير الملف النووي ودور إيران الإقليمي. لكن من المؤكّد أيضًا أنّ إدارة ترامب ستستهدف الوصول إلى تفاهمات تخص الموارد الاقتصاديّة الإيرانيّة، تمامًا كما فعلت في فنزويلا في وقتٍ سابق. وهذه التفاهمات قد توفّر الجدوى الاقتصاديّة التي تبرّر كل النفقات التي تحمّلتها الإدارة الأميركيّة، عند خوضها هذه المعركة العسكريّة في مواجهة طهران.



إقرأ المزيد