بتوقيت بيروت - 2/19/2026 8:08:26 AM - GMT (+2 )

في تحول لافت في مشهد الطاقة بالقرن الأفريقي، بدأت تركيا في ترجمة طموحاتها الاستثمارية في ثروات الصومال البحرية المحتملة من الوقود الأحفوري على أساس اتفاق مشترك يمنح الطرفين عدة مكاسب، لكنه في الوقت ذاته يثير أسئلة حساسة حول السيادة وشروط تقاسم العوائد والنفوذ.
انتقلت تركيا من دور الشريك الإنساني والأمني للصومال إلى لاعب رئيسي في سباق استكشاف النفط والغاز في مياهه العميقة، في أحد أكثر التحركات الجيوسياسية جرأة في القرن الأفريقي.
ولا تمثل الاتفاقية الإستراتيجية الموقعة في مارس 2024 بين مقديشو وأنقرة مجرد صفقة طاقة فحسب، بل تعكس تقاطعًا معقدًا بين الطموحات الاقتصادية، والحسابات الإستراتيجية، وموازين النفوذ الإقليمي.
ومع دخول سفن المسح والحفر التركية إلى المياه الصومالية، يتجدد السؤال حول ما إذا كانت الخطوة ستفتح الباب أمام تحول اقتصادي تاريخي لدولة أنهكتها عقود من الصراع، أم أنها ستثير جدلًا أعمق بشأن السيادة وتقاسم العوائد وشروط الشراكة.
وبين التفاؤل بالاكتشافات المحتملة والتحفظات على بنود الاتفاق، يبدو الصومال على أعتاب مرحلة قد تعيد رسم موقعه في خارطة الطاقة الأفريقية.
ومنحت الاتفاقية شركة النفط الوطنية التركية وشركة البترول التركية (تي.بي.أي.أو) حقوق إجراء مسوحات ثلاثية الأبعاد والتنقيب في ثلاث مناطق بحرية وثلاث مناطق برية تمتد على مساحة تقارب 16 ألف كيلومتر مربع مع اتفاق إضافي للتنقيب البري مطلع عام 2025.
وكما كتب أليكس كيماني، خبير الطاقة في منصة “أويل برايس” الأميركية، فإن “تحرك أنقرة السريع من توقيع الاتفاقيات إلى نشر الأصول البحرية يعكس إستراتيجية واضحة: تحويل النفوذ السياسي في القرن الأفريقي إلى مكاسب طاقة ملموسة قبل دخول منافسين دوليين إلى المشهد”.
الاتفاقية التي تُتيح للصومال الاستفادة من احتياطيات قدرها 30 مليار برميل نفط واجهت انتقادات لعدم توازنها وتفتقر إلى الشفافية
ولم تنتظر أنقرة طويلاً. ففي أكتوبر 2024 أرسلت سفينة الأبحاث الزلزالية أوروتش ريس إلى المياه الصومالية، حيث أكملت مهمة استمرت 234 يومًا جمعت خلالها بيانات ثلاثية الأبعاد على مساحة 4464 كيلومترا مربعًا عبر ثلاث مناطق بحرية، قبل عودتها إلى تركيا في يوليو 2025.
واليوم دخل المشروع مرحلة أكثر حساسية مع بدء سفينة الحفر التركية جاغري بك عمليات الحفر في الأحد الماضي، تحت حماية بحرية تركية، في مؤشر على الأهمية الإستراتيجية التي توليها أنقرة لهذا الملف.
وسبق أن وصف زير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار الخطوة بأنها “تاريخية”، مشيرًا إلى أن عام 2026 قد يكون “عام الاكتشافات”.
وتشير تقديرات غير مؤكدة إلى أن الصومال قد يمتلك 30 مليار برميل من النفط واحتياطيات من الغاز الطبيعي، ما يضعه -نظريًا- ضمن كبار منتجي أفريقيا بعد ليبيا ونيجيريا. وإذا ثبتت الأرقام فقد يشكل ذلك تحولًا جذريًا لاقتصاد يُعد من بين الأضعف عالميًا.
ويرى كيماني أن “المخاطر السياسية والأمنية التي أبعدت شركات الطاقة الغربية الكبرى قد فتحت نافذة لتركيا كي تلعب دور المستثمر عالي المخاطر، مستفيدة من حضورها الأمني واللوجستي في البلاد”.
والتحرك التركي في قطاع الطاقة لا يمكن فصله عن إستراتيجية “الانفتاح على أفريقيا” التي أطلقتها أنقرة في عام 1998 وجددتها عام 2005، بهدف تعميق العلاقات الدبلوماسية والتجارية والأمنية في القارة.
ومن خلال تشجيع “الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية” زادت تركيا عدد بعثاتها الدبلوماسية من 12 إلى 44 بعثة، ورفعت حجم التبادل التجاري من 5.4 مليار دولار عام 2003 إلى أكثر من 40 مليار دولار بحلول عام 2023.
ومنذ عام 2011 تطور الدور التركي في الصومال من الإغاثة الإنسانية إلى بناء مؤسسات الدولة والبنية التحتية وإصلاح القطاع الأمني.
وفي 2017 افتتحت أنقرة معسكر “تركسوم” في مقديشو، أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها، كما وقعت في فبراير 2024 اتفاقية دفاعية واقتصادية لعشر سنوات لتأمين السواحل الصومالية الممتدة على أكثر من 3300 كيلومتر.
كما تدير شركات تركية مرافق حيوية في مقديشو، من بينها المطار والميناء، إضافة إلى استثمارات في الصحة والتعليم والبنية التحتية.
ورغم الطابع الإستراتيجي للشراكة تعرضت اتفاقية 2024 لانتقادات واسعة داخل الصومال. إذ تشير تقارير إلى أن تي.بي.أي.أو قد تسترد قرابة 90 في المئة من تكاليفها التشغيلية من الإنتاج قبل تقاسم الأرباح، فيما لا تتجاوز حصة الصومال الأولية نسبة 5 في المئة.
كما أُثيرت تساؤلات بشأن الإعفاءات الضريبية وغياب مكافآت التوقيع والتطوير، إضافة إلى شرط تسوية النزاعات في محاكم إسطنبول بدلًا من التحكيم الدولي.
ويرى منتقدو الاتفاق أنه يفتقر إلى الشفافية والمنافسة المفتوحة، بينما يعتبره المدافعون عنه خيارًا واقعيًا في ظل محدودية البدائل.
وقد تتراوح تكلفة حفر بئر واحدة في المياه العميقة بين 40 و100 مليون دولار، فضلًا عن الحاجة إلى تقنيات متقدمة وخبرات بشرية وبنية تحتية غير متوفرة محليًا. كما أن مخاطر القرصنة والجماعات المسلحة ترفع تكاليف الأمن والتأمين إلى مستويات مرتفعة.
وأبقت شركات كبرى مثل شل وإكسون موبيل عقودها في الصومال معلقة لسنوات بسبب المخاطر السياسية والأمنية، ما يجعل تركيا أحد الشركاء القلائل المستعدين للعمل في بيئة عالية المخاطر.
ويخلص كيماني في تحليله إلى أن “قبول معدلات استرداد التكاليف المرتفعة قد يبدو مجحفًا على الورق، لكنه يعكس واقع اقتصاديات المخاطر: من دون رأس المال والتكنولوجيا والحماية الأمنية، ستظل احتياطيات الصومال المحتملة مجرد أرقام على خرائط جيولوجية”.
ويبقى السؤال الجوهري: هل تمثل الشراكة مع تركيا انطلاقة اقتصادية تاريخية للصومال، أم أنها مخاطرة قد تُقيد سيادته على موارده لعقود؟
ولكن الإجابة ستعتمد على نتائج الحفر في المياه العميقة خلال العامين المقبلين. فإذا جاءت الاكتشافات بحجم التوقعات، فقد يدخل الصومال نادي الدول المنتجة للنفط. وفي حال خيّبت النتائج الآمال، فقد تجد مقديشو نفسها أمام جدل داخلي أعمق حول شروط الشراكة ومسار إدارة ثرواتها الطبيعية.
إقرأ المزيد


