هل تعافى لبنان في عام 2025؟ كذبة النموّ الاقتصادي
لبنانون فايلز -

في الآونة الأخيرة، تصدّرت سردية تسجيل لبنان نموّاً اقتصادياً في 2025 كأنه إنجاز مُخطط له، خلافاً لما أشار إليه البنك الدولي في نشرة مرصد لبنان الصادرة أخيراً، والتي تظهر أن النموّ المحقّق مدفوع بالاستهلاك الإضافي الحاصل بعد الحرب، وليس مدفوعاً بتوسّع في الإنتاج أو بتحسّن واضح في الحركة الاقتصادية. ما يقوله البنك الدولي إن هذا النموّ وهمي.

يتوقّع البنك الدولي أن المحرّك الأساسي لتسجيل الاقتصاد نمواً بمعدل 3.5% في 2025 كان الاستهلاك الخاص. وفقاً لتقديراته، فإن مساهمة الاستهلاك في هذا النموّ تصل إلى 1.8% من أصل 3.5%، أي إن نصف النموّ أتى من فوائض الاستهلاك الخاص، وذلك يُعزى إلى تدفّق التحويلات من الخارج، وازدياد دولرة الأجور في القطاع الخاص، إلى جانب تحسّن النشاط الاقتصادي بشكل عام. أما الاستهلاك العام (الخزينة)، فقد أسهم بنحو 0.9% من النموّ المسجّل، لأن الإنفاق الحكومي ازداد مقارنة بعام 2024 رغم مواصلة الحكومة ممارسة الحذر في الإنفاق. وبلغت حصّة صافي الصادرات مساهمة إيجابية تُقدَّر بنحو 0.5%، نتيجة تراجع طفيف في الواردات «الحقيقية» مقابل نموّ صادرات الخدمات. ويبقى، بالنسبة إلى البنك الدولي، أن الاستثمار هو المكوّن الأضعف بمساهمة بلغت 0.2% في ظل ارتفاع مستويات عدم اليقين ومحدودية الإنفاق على إعادة الإعمار والاستثمار.

ماذا يعني هذا الكلام؟ بشكل واضح، يقول البنك الدولي إن زيادة الاستهلاك بعد الحرب هي الدافع الرئيسي للنمو. فهذا أمر طبيعي إبان الحروب، إذ إن حالة انعدام اليقين في فترات كهذه، تقيّد الاستهلاك، وتخفّضه إلى الحدّ الأدنى، وهو ما أدّى إلى انكماش في 2024 (عام الحرب) بنسبة 7%، وبالتالي فإنه من الطبيعي أن يسجّل العام التالي بعد الحرب ارتفاعاً في معدلات الاستهلاك. ولا يُعزى ذلك لأي سياسة عامّة، مالية أو نقدية، بل كان يكفي أن تتواصل تدفقات التحويلات والدولرة في أجور القطاع الخاص إلى جانب هامش من الاستقرار لتحقّق هذه الزيادة في الاستهلاك.

يثير هذا الأمر تساؤلات بشأن جودة هذا النموّ، ومدى كونه بنيوياً في اقتصاد يعيش «على الحافة». في العادة، تقوم الدول المتقدّمة، التي بلغت مرحلة ما بعد الصناعة، باستهداف النموّ من خلال تحفيز الاستهلاك، إلا أنه ليس طبيعياً في بلد غير متقدّم إنتاجياً، أن يشهد نمواً اقتصادياً من خلال الاستهلاك لأن ذلك يدلّ على استمرار المشكلة الاقتصادية البنيوية فيه. فمع ازدياد الاستهلاك، لا يظهر أي نموّ مقابل في القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة. عملياً، قامت الأزمة بتصحيح في المؤشرات الرقمية في حجم هذين القطاعين من الاقتصاد لترتفع حصّة الزراعة من الناتج إلى 6% اعتباراً من 2020 مقارنة مع 4.7% في 2019.

كذلك ارتفعت حصّة الصناعة من الناتج المحلّي من 10.7% في 2019 إلى 12.8% اعتباراً من 2020. وهذا ما يدلّ على أن الحكومات المتعاقبة فشلت في الاستفادة من «فرصة» الأزمة، لتنمية القطاعات الإنتاجية. فالمؤشرات الرقمية سببها الأساسي انخفاض حجم الناتج وليس الزيادة في القدرة الإنتاجية. والسبب الأساسي خلف عدم توسّع هذه القطاعات، هو غياب الاستثمار الذي لم يُشكّل إلا 6% من النمو، علماً بأنه العامل الأهم في خلق فرص العمل وتحسين مستويات الأجور وتخفيف العجز الخارجي وزيادة التصدير وكفاية السوق المحلية.

بهذا المعنى، إن دلالة النموّ المسجّل في 2025، تبقى محدودة لناحية الجودة، بل يمكن اعتبارها مضلِّلة في ضوء الحديث الساري عن تعافٍ اقتصادي. فالنموّ المدفوع بالاستهلاك، من دون توسّع استثماري أو تحسّن في البنية الإنتاجية، لا يُنتج دورة اقتصادية مستدامة، بل يكرّس نمطاً هشّاً من النشاط، يعتمد على عوامل خارجية وعرضية لا يمكن التعويل عليها على المدى المتوسط والطويل. كما إن استمرار الاعتماد على التحويلات من الخارج، التي شكّلت أحد المحرّكات الأساسية للاستهلاك في 2025، ليس نتيجة دينامية اقتصادية داخلية، بل انعكاس لاستمرار هجرة اليد العاملة اللبنانية واعتماد شريحة واسعة من الأسر على الدخل الآتي من الخارج. كذلك، فإن دولرة الأجور في القطاع الخاص، رغم مساهمتها في تحسين القدرة الشرائية لفئات معيّنة، فإنها لا تعكس تحسّناً في الإنتاجية أو في هيكل الأجور، بل هي في جوهرها آلية تكيّف مع انهيار العملة الوطنية، وليست سياسة نمو.

وفي بلد مثل لبنان، يستورد معظم استهلاكه، يُصبح هذا النوع من النمو عبئاً مستقبلياً على الحسابات الخارجية للاقتصاد. هذا النمط من النمو يُترجم عملياً إلى ارتفاع في الطلب على السلع المستوردة أكثر منه إلى تنشيط الإنتاج المحلي. ومع غياب أي سياسة صناعية أو زراعية فاعلة، يتحوّل الاستهلاك الإضافي إلى عامل ضغط على الميزان التجاري، حتى لو سجّل صافي الصادرات مساهمة إيجابية ظرفية، ناتجة من تحسّن صادرات الخدمات أو تراجع الواردات بفعل القدرة الشرائية المحدودة، لا بفعل إحلال الإنتاج المحلي محلّ المستوردات.

في هذا السياق، لا يمكن فصل ضعف الاستثمار عن غياب الرؤية الاقتصادية الشاملة. فبيئة عدم اليقين، وغياب الإصلاحات المؤسسية، واستمرار الأزمة المصرفية من دون حلّ، كلّها عوامل تُقيّد الاستثمار الخاص، فيما لا تملك الدولة أي هامش مالي يسمح لها بلعب دور استثماري تعويضي. وهكذا، يبقى الاقتصاد عالقاً في حلقة مفرغة: استهلاك بلا إنتاج، ونموّ وهمي بلا تحوّل بنيوي، وتحسّن ظرفي لا يخلق مساراً تصاعدياً مستداماً.

في المحصّلة، هذا النمو المسجل في 2025، ليس ناتجاً من التعافي، بل هو ارتداد تقني لما بعد صدمة الحرب والانكماش الحادّ في 2024. وهو ارتداد كان يمكن توقّعه في أي اقتصاد يشهد تراجعاً حاداً في الاستهلاك ثم عودة نسبية للاستقرار. أمّا تحويل هذا الارتداد إلى إنجاز اقتصادي، أو ربطه بسياسات حكومية، فهو أمر يتجاهل جوهر المشكلة، وهو أن الاقتصاد اللبناني ما يزال يفتقر إلى محرّكات النموّ الفعلي، أي الاستثمار والإنتاج، وما يزال يعيد إنتاج اختلالاته نفسها التي قادته إلى الأزمة، ولو بأحجام أصغر.

ماهر سلامة - الاخبار

The post هل تعافى لبنان في عام 2025؟ كذبة النموّ الاقتصادي appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.



إقرأ المزيد