سعادة الشامي: "قانون الفجوة" بلا عمود فقري مالي
لبنانون فايلز -

ليس مشروع «قانون الفجوة المالية» أول محاولة حكومية لوضع إطار تشريعي منظّم لمعالجة الخسائر الهائلة التي تكبّدها القطاع المصرفي اللبناني بعد سنوات من إدارة الأزمة عبر القيود غير الرسمية والاستنسابية بحق المودعين، إلا أنه أكثر مشروع أخذ زخماً بين المشاريع المقدّمة. ورغم الترحيب الحذر بهذه الخطوة، يرى نائب رئيس الحكومة السابق سعادة الشامي، في تقرير نشره مركز عصام فارس، أن مشروع القانون بالصيغة التي أحيل فيها إلى مجلس النواب، يبقى إطاراً هشّاً قائماً على الغموض وعلى تأجيل القرارات الأساسية بدلاً من مواجهة جوهر الأزمة بشفافية ووضوح.

لا تثبيت للمبادئ
يرسم الشامي سلسلة من الانتقادات الجوهرية تبدأ بغياب الأرقام، وتمرّ بتجاهل قيود السيولة، وصولاً إلى ضعف الأدوات المقترحة لاسترداد الودائع، وتغييب آليات أساسية لإعادة هيكلة المصارف. هذه الثغرات لا تجعل القانون غير مكتمل فحسب، كما يرى الشامي، بل تهدّد بتحويله إلى وسيلة جديدة لتأجيل حسم الخسائر وتحميل كلفتها النهائية للمجتمع والدولة.

في المقاربة الأولى، يرى الشامي أن المشروع يستحق الاعتراف به كنقطة انطلاق ضرورية، لأنه يحاول، للمرّة الأولى، فرض إطار منظّم لمعالجة خسائر القطاع المصرفي بعد سنوات من الجمود. فالقانون يسعى إلى إعادة تحريك نقاش متوقف، ويُدخل مبدئياً مفاهيم المحاسبة وتحميل المسؤوليات، كما يتبنّى – ولو بشكل غير مكتمل – مبدأ حماية صغار المودعين واحترام تسلسل تحمّل الخسائر، وهو مبدأ أساسي في أي عملية إعادة هيكلة مصرفية ذات صدقية. غير أن هذا التقدير الإيجابي يبقى محدوداً. فالشامي يقول إن هذه المبادئ لم تُثبَّت بوضوح كافٍ في متن القانون، وهو ما يفتح الباب أمام تفسيرات متناقضة ويجعل مفاعيلها القانونية والسياسية هشّة، لأنها ستكون عرضة للتأويل أو الالتفاف عليها لاحقاً، وهو ما بدأ يظهر فعلاً في النقاش العام.

انقسام مؤسّسي
من أولى إشارات الخطر التي ظهرت من هذا المشروع، ما يتعلق بالانقسام المؤسّسي، لا سيما الخلاف العلني بين الحكومة ومصرف لبنان. فبعد أيام قليلة من إقرار المشروع، أصدر مصرف لبنان موقفاً شكّك فيه ببعض ركائز القانون، وخصوصاً ما يتعلق بتحميل المصارف ومساهميها الخسائر قبل معالجة ما يُسمّى «الالتزامات غير النظامية». في رأي الشامي، هذا الموقف يتعارض مع المعايير الدولية لإعادة هيكلة المصارف والتي تنصّ بوضوح على أن الخسائر يجب أن تبدأ بالمساهمين في المصارف، ثم تنتقل تصاعدياً.

ويحذّر من أن هذا الانقسام ليس تفصيلاً تقنياً، بل مؤشّر مبكر على هشاشة التوافق السياسي والمؤسّسي حول القانون. ففي بلد مثل لبنان حيث يستند تطبيق القوانين على الانسجام بين المؤسسات بمقدار ما يعتمد على النصوص نفسها، فإن أي شرخ مبكر يهدّد بإفشال التطبيق. ويعتقد أن تشكيك مصرف لبنان بقدرة الدولة والمصرف المركزي على الالتزام بسداد أول 100 ألف دولار من الودائع خلال أربع سنوات، يسلّط الضوء على فجوة بين الخطاب السياسي والواقع المالي، ويعزّز الشكوك حول قابلية التعهدات الواردة في القانون للتنفيذ.

غياب الأرقام
أخطر نقاط الضعف التي يراها الشامي، هي تلك المتصلة بغياب الأرقام. ليس الأمر مجرّد تفصيل تقني يمكن معالجته لاحقاً. فالقانون لا يحدّد حجم الفجوة المالية، ولا يبيّن آلية توزيع الخسائر بين مصرف لبنان، المصارف التجارية، الدولة، والمودعين، ما يجعل تقييم صدقيته أو قابليته للتنفيذ مستحيلاً. وأي قانون كهذا يرمي إلى معالجة انهيار مالي بهذا الحجم، لا يمكن أن يكون ذو معنى بلا «عمود فقري رقمي». إذ إن غياب الأرقام يحرم الرأي العام والنواب وحتى الجهات الدولية من القدرة على فهم الكلفة الحقيقية للإجراءات المقترحة، وتقييم من سيدفع الثمن، وبأي مدى، وعلى أي فترة زمنية.

من أولى إشارات الخطر التي ظهرت من هذا المشروع ما يتعلق بالانقسام المؤسّسي لا سيما الخلاف العلني بين الحكومة ومصرف لبنان

ويلاحظ الشامي أن القانون يبرّر هذا الغياب، بانتظار إنجاز التدقيق الشامل في حسابات مصرف لبنان ومراجعة نوعية أصول المصارف. ورغم أن هذا الترتيب قد يكون مبرَّراً تقنياً في الظروف العادية، إلا أنه يحذّر من أن التجارب السابقة في لبنان انطوت على تأخّر لسنوات في عمليات التدقيق أو حتى صعوبة استكمالها، ما يحوّل التأجيل إلى سياسة قائمة، ويُبقي القرارات المصيرية معلّقة إلى أجل غير محدد. رغم ذلك، يبدو مهماً للشامي ألا تكون البداية من الصفر. فمصرف لبنان وهيئة الرقابة على المصارف يملكان بيانات واسعة حول أوضاع المصارف وميزانياتها، وهذا لا يغني عن تدقيق مستقل رغم أنه أمر كاف لإعداد تقديرات أولية وسيناريوهات تقريبية.

ينتقد الشامي الخطاب الرسمي الذي يكرّر أن الودائع «ستُسترد بالكامل»، من دون أي شرح للقيمة الفعلية لهذه الودائع عبر الزمن. فحتى لو سدّدت الودائع على مدى 10 أو 20 سنة، فإن قيمتها الحقيقية ستكون أقلّ بكثير من قيمتها الاسمية بسبب عامل الزمن والمخاطر. الخسارة الاقتصادية الضمنية بسبب هذا التأخر قد تكون مرتفعة جداً، وهو واقع لا يمكن تجاهله أو التخفيف من حدّته عبر شعارات سياسية، على حدّ قول الشامي.

وهم استرداد الودائع
يركّز سعادة الشامي على ما يعتبره العقدة الأساسية في مشروع قانون الفجوة المالية: مشكلة السيولة. فالقانون يتعهد بإعادة الودائع التي تقل عن 100 ألف دولار خلال أربع سنوات، وبمعالجة الودائع الأكبر عبر أدوات طويلة الأجل، إلا أن هذه الالتزامات، في رأيه، لا تنسجم مع الواقع النقدي والمالي القائم في لبنان.

يقدّر الشامي أن كلفة سداد الودائع الصغيرة خلال أربع سنوات تقارب 20 مليار دولار، على أن يتحمّل مصرف لبنان نحو 60% منها، والمصارف التجارية نحو 40%. لكن هذه الأرقام تصطدم مباشرة بحقيقة أن احتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية محدودة، وأن جزءاً كبيراً منها غير قابل للاستخدام لأنه يعود للدولة أو يجب الاحتفاظ به كاحتياط أمان للاستيراد والالتزامات الخارجية. وبذلك، فإن الهامش المتاح فعلياً لاسترداد الودائع ضيّق جداً، إن لم يكن شبه معدوم.

أما المصارف التجارية، فيشير الشامي إلى أنها تعاني بدورها من نقص حاد في السيولة القابلة للاستخدام، إذ لا تملك سوى جزء بسيط مما هو مطلوب منها للمساهمة في السداد، حتى في حال بيع معظم أصولها. وهذا يعني أن عبء السداد، كما هو مصمَّم في القانون، يتجاوز قدرات النظام المصرفي ككل.

ويحذّر من أن هذه المشكلة لا تقتصر على السنوات الأربع الأولى فقط. فالودائع الأكبر، التي ستُعالج عبر أدوات طويلة الأجل، تحتاج بدورها إلى تدفقات نقدية مستقبلية منتظمة لتمكين دفع نسب سنوية من قيمتها. غير أن القانون لا يقدّم أي تفسير مقنع لمصدر هذه التدفقات. كما ينتقد الرهان الضمني على عودة الثقة بسرعة إلى القطاع المصرفي بما يسمح للمودعين بعدم سحب أموالهم فور رفع القيود، أو بإعادة الأموال النقدية المكدّسة في المنازل إلى المصارف. ويرى أن هذا الرهان غير واقعي بعد سنوات من الانهيار والخسائر، وأن أي خطة تُبنى على افتراضات تفاؤلية كهذه معرّضة للفشل.

أدوات بلا ضمانات
يعتمد مشروع قانون الفجوة المالية على أدوات طويلة الأجل لمعالجة الودائع التي تفوق 100 ألف دولار، وهذا ما يرى فيه الشامي مشكلة تتعلق بغياب أي ضمان اقتصادي حقيقي لقيمة هذه الأدوات. إذ إن تأجيل السداد عبر أدوات طويلة الأجل قد يكون مفهوماً في أزمات مصرفية كبرى، لكنه في حالة لبنان يؤدي عملياً إلى خسائر اقتصادية كبيرة للمودعين بسبب انخفاض القيمة الفعلية للأموال مع مرور الزمن. وفي رأيه، إن الحل الأنظف والأكثر شفافية اقتصادياً، يتمثّل في اقتطاع مباشر وواضح من القيمة الاسمية للودائع رغم كلفته السياسية العالية، بدلاً من ترحيل الخسائر بشكل غير معلن عبر الزمن.

ويركّز الشامي على التناقض المتعلق بأصول مصرف لبنان، ولا سيما الذهب. فالقانون يشير إلى أن الأدوات الطويلة الأجل ستكون مدعومة بأصول المصرف المركزي، لكنه في الوقت نفسه يستبعد بيع الذهب أو رهنه. وبما أن الذهب يُعدّ الأصل الأكبر والأكثر قيمة لدى مصرف لبنان، فإن استبعاده يترك هذه الأدوات بلا دعم فعلي، ويضعف قيمتها الاقتصادية إلى حد كبير.

فما تبقّى من أصول غير ذهبية لدى مصرف لبنان محدود وغير كافٍ لتغطية التزامات بهذا الحجم، ما يعني أن هذه الأدوات ستُتداول في السوق بقيم متدنية جداً مع حاجة عدد كبير من المودعين إلى تسييلها. فضلاً عن أن هذه الأدوات بصيغتها الحالية، لا تختلف جوهرياً عن ديون سيادية مقنّعة، إذ إن القانون يُلزم الدولة بإعادة رسملة مصرف لبنان عند الحاجة. وهذا من شأنه أن يزيد أعباء الدين العام، ويقوّض أي محاولة لإعادة الاستقرار المالي أو التوصل إلى برنامج موثوق مع صندوق النقد الدولي.

غياب الـ Bail-in: حماية المصارف على حساب المجتمع
يرى سعادة الشامي أن تغييب آلية الـBail-in من مشروع قانون الفجوة المالية ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو خيار له تبعات خطيرة على العدالة المالية وقابلية تنفيذ الخطة. فالـ Bail-in الذي يقوم على تحويل جزء من الودائع الكبيرة إلى أسهم في المصارف، يُعدّ أداة مركزية في إعادة هيكلة الأنظمة المصرفية المنهارة، لأنه يسمح بإعادة رسملة المصارف، ويخفّف الحاجة إلى السيولة، ويحدّ من تحميل الدولة كلفة الخسائر.

في رأيه، أي عملية إعادة هيكلة ذات صدقية يجب أن تبدأ بتحميل الخسائر للمساهمين أولاً، قبل الانتقال إلى المودعين الكبار. «إغفال هذا المبدأ في نص القانون، حتى لو كان مذكوراً في قوانين أخرى، يضعف الإطار القانوني ويترك مجالاً واسعاً للالتفاف عليه عند التطبيق».

ويعتقد أن استبعاد الـBail-in سببه حساسيات سياسية وطائفية مرتبطة بملكية المصارف، إذ تخشى الجهات المالكة من أن يؤدي تحويل الودائع إلى أسهم إلى تغيير في توازنات الملكية والنفوذ داخل القطاع المصرفي لذا «إن إخضاع القرارات المالية لهذه الاعتبارات يفرغ أي إصلاح من مضمونه الاقتصادي». فضلاً عن تغييب الـBail-in يحرم المودعين الكبار من خيار قد يكون أكثر عدالة لهم.

فبدلاً من حصرهم بأدوات طويلة الأجل ذات عائد محدود وقيمة غير واضحة، كان يمكن منحهم فرصة المشاركة في رسملة المصارف والاستفادة من أي تحسّن مستقبلي في حال نجحت عملية الإصلاح. والأهم، ألا ينقل العبء نحو الدولة. فبعد استنزاف رساميل المصارف واقتطاع جزء من «الودائع غير النظامية»، ينص القانون على أن تتدخل الدولة لإعادة رسملة مصرف لبنان إذا لم تكفِ هذه الإجراءات، ما يعني تحويل الخسائر المصرفية إلى دين عام إضافي، وتحميل المجتمع بأكمله كلفة إنقاذ القطاع.

ماهر سلامة- الاخبار

The post سعادة الشامي: "قانون الفجوة" بلا عمود فقري مالي appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.



إقرأ المزيد