الفضة تحت المجهر: جنون المعادن يشعل أسواق العالم
لبنانون فايلز -

تحظى الفضة اليوم بمكانة بارزة كأحد أفضل الأصول الاستثمارية، حيث سجّل المعدن الصناعي ارتفاعات غير مسبوقة مدعومة بعدة عوامل، منها إقبال صناديق الاستثمار والأفراد، وتدفقات رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة، إلى جانب تراجع الثقة بالأصول التقليدية والمخاوف من ضعف الدولار، فضلاً عن المخاطر الجيوسياسية والمنافسة الشديدة على الموارد بين القوى الكبرى. ويتزامن ذلك مع تنامي الاهتمام بالثورة الصناعية في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، وهي قطاعات تعتمد بدرجة كبيرة على الفضة في مكوّناتها وعمليات إنتاجها.

كما تزامنت الارتفاعات الجنونية التي فاجأ بها المعدن الأبيض الأسواق مع إعلان الصين قيودًا على صادرات الفضة إلى الأسواق العالمية بدءًا من الأول من كانون الثاني 2026. وتعتبر الصين من أبرز اللاعبين في إنتاج وتعدين الفضة، حيث تحتل المرتبة الثانية عالميًا، مستحوذة على نحو 13 في المئة من الإنتاج العالمي، حيث يتجاوز إنتاجها 110 ملايين أونصة سنويًا، في حين تصل صادراتها من المعدن إلى نحو 3 آلاف طن متري.

أمّا المرتبة الأولى في مجال إنتاج المعدن الأبيض في العالم فتحتلّها المكسيك، التي تشتهر بمناجمها الغنية وأبرزها منجم سوسيتو، فيما تأتي البيرو بالمرتبة الثالثة بعد الصين، وهي تتمتّع باحتياطيات كبيرة. وتسهم الدول الثلاثة مجتمعة بأكثر من 50 في المئة من الإنتاج العالمي للفضة، مع أرقام إنتاج سنوية تتراوح بين 6000 و 6400 طن للمكسيك وحدها، وفق بيانات 2023-2024.

الصين تحكم قبضتها على السوق

تُسهم القيود المفروضة على الصادرات وآليّات التحكّم بالسوق في إشعال الأسعار، إذ تشترط بكين على أي شركة صينية ترغب في تصدير الفضة الحصول أولًا على موافقات حكومية، بما يضمن أن تتمّ عمليات التصدير عبر الشركات الحكومية التي تمتلك القدرة الأكبر على ذلك. كما تسعى بكين إلى بسط سيطرتها على سوق الفضة والحفاظ على المعروض داخل السوق المحلية، بما يتيحُ لها الكلمة الفصل في كميات التصدير، وذلك في إطار حماية أمنها القوميّ، إذ تتحكم حاليًا بنحو 80 في المئة من عمليات تكرير الفضة عالميًا. في هذا السياق، تهدف القيود الصينية إلى حصر تصدير الفضة بالشركات الكبرى المعتمدة من الدولة، في حين تُلزم الشركات الصغيرة والمتوسطة باستيفاء متطلبات صارمة للحصول على التراخيص الحكومية.

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الصين تُعدّ أكبر مستهلك للمعدن الأبيض في العالم، فيما يتمثّل العامل الرئيسي الآخر المثير للقلق في سوق الفضة بنقص المعروض وتراجع المخزونات، بالتزامن مع ارتفاع الطلبين الصناعي والاستثماري. ويُلاحظ أنّ استهلاك الصين من الفضة ارتفع بشكل خاص في مكوّنات الطاقة الكهروضوئية، أحد أبرز استخدامات المعدن، إذ يشير خبراء إلى أنّ الربع الأخير من العام يُعدّ عادة موسم الذروة لتركيبات الطاقة الشمسية، ما عزّز الطلب في نهاية العام الماضي.

إلى ذلك، يشهد العالم نقصًا ملحوظًا في معروض الفضة، مع توقّعات بأن تعاني السوق من عجز كبير خلال العام الجاري، وسط مخاوف من انعكاس ذلك على عدد من الصناعات، في مقدمتها السيارات والإلكترونيات. ويُذكر أنّ إنتاج الفضة يتمّ غالبًا بالتزامن مع تعدين معادن أخرى، ما يزيد الضغوط على الشركات المنتجة وينعكس بالتالي على حجم المعروض.

وتُظهر البيانات بأنّ حوالى 50 في المئة من الفضة المتوافرة عالميًا اليوم تُستخدم في الصناعات الثقيلة والتكنولوجيا المتقدمة، بما يشمل أشباه الموصلات، والهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، والأنظمة الكهربائية للسيارات، وخلايا الألواح الشمسية، والمفاعلات النووية، والبطاريات، إضافة إلى استخدامات في طب الأسنان وفي التصوير الفوتوغرافي، فضلًا عن رقائق "إل إي دي" و"آر إف آي دي" المستخدمة في تتبّع الطرود والشحنات حول العالم. ووفقًا لمسح الفضة العالمي، يطلق "معهد الفضة" على الفضة وصف "المعدن الذي لا غنى عنه".

حرب المعادن النادرة تشعل الأسعار

من جهةٍ ثانية، صُنِّفت الفضة ضمن قائمة المعادن الأميركية الحرِجة، التي تضمّ نحو 60 معدنًا نادرًا. ووفقًا لـ"بلومبرغ"، فإن جزءًا كبيرًا من الفضة المتوفرة في العالم موجود في نيويورك، بانتظار نتائج تحقيق تجريه وزارة التجارة الأميركية بشأن ما إذا كانت واردات المعادن الحيوية تشكّل تهديدًا للأمن القومي. وقد يمهّد هذا التحقيق الطريق لفرض تعريفات جمركية أو قيود تجارية أخرى على المعدن، وهو ما قد يشكّل محفّزًا جديدًا لارتفاع أسعار الفضة على المديين القريب والمتوسط.

لا شكّ في أنّ استمرار الاضطرابات الجيوسياسية، ومخاطر التضخّم، والغموض المحيط بسياسات بنك الاحتياطي الفيدرالي، إضافة إلى التوقعات المتشائمة بشأن الدولار الأميركي، كلّها عوامل تعزز قوة المعادن الثمينة باعتبارها أدوات تحوّط أساسية. ومع ذلك، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ سوق الفضة تشهد تقلبات كبيرة، وهو ما يجب أخذه بعين الاعتبار عند إدارة أي محفظة استثمارية.

لقد شهدت الفضة ارتفاعًا يزيد على 30 في المئة منذ مطلع عام 2026، لتقترب من عتبة المئة دولار، وتحتلّ بذلك المرتبة الثانية عالميًا من حيث القيمة السوقية للأصول، متقدمة على معظم فئات الاستثمار، فيما يسبقها المعدن الأصفر. وتثار التساؤلات حول ما إذا كانت آثار التوترات الجيوسياسية والتجاذبات العسكرية والأمنية الحالية ستقتصر على الاقتصاد العالمي والصناعة والتجارة، وإلى أيّ مدى سيواصل الطلب الصناعي دفع الفضة نحو مستويات قياسية جديدة.

ختامًا، وفي ظلّ استمرار التقلبات الجيوسياسية ونمو الطلب الصناعي على المعدن الأبيض، تبقى الفضة أداة استثمارية أساسية تستحق المتابعة عن كثب في العام الجاري.

رمزا زخريا - المدن

The post الفضة تحت المجهر: جنون المعادن يشعل أسواق العالم appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.



إقرأ المزيد