لبنانون فايلز - 1/20/2026 6:44:19 AM - GMT (+2 )
الموظفون من وعد إلى وعد… لكن لا شيء ملموس. كلّ اجتماع، وكلّ تصريح، وكلّ مشروع يُطرح، ينتهي عند حدود الكلام دون تحقيق أيّ نتيجة حقيقيّة على الأرض. في ظلّ انهيار اقتصاديّ مستمرّ وأزمات ماليّة متراكمة، يعيش العمّال والموظفون في دائرة من الوعود المتكرّرة، بينما تتراجع قدرتهم الشرائيّة يومًا بعد يوم.
منذ بداية الأزمة الاقتصاديّة، يعيش العمّال في لبنان ظروفًا معيشيّة صعبة ومتدهورة، حيث تتراكم الأزمات المالية وانهيار قيمة الليرة اللبنانية مقابل ارتفاع الأسعار بشكل كبير، ما قلّص القدرة الشرائية بشكل حادّ وجعل الاحتياجات الأساسيّة للعمّال وعائلاتهم شبه مستحيلة المنال. على الرغم من الوعود المتكرّرة التي تُطلقها الجهات الرسميّة والهيئات الاقتصادية، لم يُسجّل أيّ تجاوب فعليّ يُحقق الحدّ الأدنى من الحقوق أو يُخفف الضغوط المالية عن العمّال، ما يجعلهم دائمًا الضحيّة المباشرة للوضع الراهن.
يواجه العمّال بشكل يوميّ حالة من اللامبالاة المؤسّسية، حيث تتكرّر الاجتماعات والمطالبات، لكن النتائج تبقى محدودة أو معدومة، ما يؤدّي إلى استمرار دائرة المعاناة. كثير من العمّال مضطرّون للتسليم بالحدّ الأدنى للأجور المصرّح به، بينما يتقاضون فعليًا مبالغ أعلى، الأمر الذي يؤدّي إلى فقدان حقوقهم عند استحقاق نهاية الخدمة، وتقليص استفادتهم من الطبابة والاستشفاء والتعويضات. هذا الواقع يعكس فجوة بين الحقوق المعلنة والحقوق الفعلية، ويؤكّد أن العمّال يبقون عرضة للتضرّر، رغم جهودهم المستمرّة في الاعتصامات والإضرابات والمطالبات المشروعة.
في هذا الواقع المُعقد، يرفع رئيس الاتحاد العماليّ العام، بشارة الأسمر، الصوت مُحذرًا من تداعيات الانهيار على حياة المواطن اليوميّة، على الرواتب، والحقوق، والودائع المصرفية. من ضغوط السوق وامتناع الهيئات الاقتصاديّة عن الزيادة، إلى التحدّيات في القطاعين العام والخاص، يقدّم الأسمر صورة حقيقيّة للوضع.
اقتصاد متهالك
الأسمر، يُوضح لـ "نداء الوطن"، أن "لبنان يمرّ بمرحلة صعبة على الصعيديْن الاقتصادي والأمني، إذ تشهد البلاد أزمات مالية متراكمة ووضعًا أمنيًا معقدًا يُلقي بظلاله على مناطق واسعة من الوطن، بما فيها بيروت وجبل لبنان، لافتًا إلى أنه "نظرًا للظروف الراهنة وعدم تجاوب الهيئات الاقتصادية مع الزيادات المفروضة، بالإضافة إلى مطالبات الزيادات لموظفي القطاع العام، فإن وضع العمال بصورة عامة سيّئ، سواء في القطاع العام أو الخاص".
وأكّد الأسمر أن اجتماعات لجنة المؤشر تُعقد بصورة دورية، وحصل اجتماع قبل الأعياد، إلّا أنه "لم يسفر عن أي نتائج ملموسة، فالهيئات الاقتصادية متمسّكة برأيها بأن الوضع الاقتصادي سيّئ، إضافة إلى الوضع الأمني الذي يؤثر سلبًا على النشاط التجاري، والمحلّات العاملة تتوزع بشكل رئيسي في بيروت وجبل لبنان. لذلك، أيّ زيادة عامة لا تستطيع بعض الهيئات الكبيرة تحمّلها، بينما رأينا نحن مختلف تمامًا، فليس من المفترض أن يتقاضى أي عامل 28 مليون ليرة كأجر، بل يجب أن يكون الحدّ الأدنى نحو 1,000 دولار في ظلّ الانهيار الكبير لقيمة الليرة اللبنانية".
وأشار إلى أن "العديد من المؤسّسات والمعامل تدفع بالفعل أكثر من ألف دولار، لكنها تلجأ إلى التصريح للصندوق الوطني للضمان الاجتماعيّ بالحدّ الأدنى للأجور، وهو ما يخلق إشكالية مزدوجة: أوّلًا على مداخيل الصندوق وقدرته على تغطية الطبابة والاستشفاء، وثانيًا على العامل نفسه، الذي يكون مضطرًا للسكوت عن الفرق بين الأجر الفعليّ والمصرّح به، وعند استحقاق نهاية خدمته يجد نفسه مسجّلًا بالحدّ الأدنى، ما يؤدّي إلى شكاوى متكرّرة أمام مجالس العمل التحكيمية. وهكذا يكون العامل هو من يدفع الثمن، سواء من خلال تقلّص حقوقه في الطبابة أو الاستشفاء أو التعويضات نهاية الخدمة".
الإضرابات والاعتصامات
تطرّق الأسمر إلى الإضرابات كأداة للدفاع عن حقوق العمّال، قائلًا: "نحن نقوم بما علينا، ونشارك في إضرابات القطاع العام كوننا جزءًا منه، لكن الوضع بصورة عامة غير مريح. لا يوجد تجاوب من المسؤولين لضمان حصول الموظفين على حقوقهم، وعندما تتكرّر الإضرابات، يكون المواطن وحده من يدفع الثمن نتيجة قطع الطرقات وتأثر حركة النقل. لذلك، الأمور بحاجة إلى دراسة دقيقة للوضع الصعب، خاصة في ظلّ عدم تجاوب الحكومة والهيئات الاقتصادية".
وأكد أن "الاتحاد خاض العديد من الإضرابات السابقة المتعلّقة بسلسلة الرتب والرواتب وحقق بعض المكاسب، لكن العملية تتطلّب الاستمرار في الضغط. عملية الاعتصامات والاحتجاجات في الشارع ضرورية في هذه المرحلة، لكنها تحتاج إلى التوقيت المناسب للوصول إلى النتائج المرجوّة، مع وجود أمل في حلول اقتصادية تؤدّي إلى مزيد من الانفتاح على لبنان، الذي يواجه حصارًا من أغلب الجهات".
كما أشار الأسمر إلى أن "الوضع الاجتماعي والأمني في البلاد يزداد سوءًا، فحوادث القتل والسرقة باتت شائعة، حتى بين الأقارب، وهو ما يعكس حجم التحدّيات التي نعيشها. نأمل في ولادة انفراج اقتصاديّ سريع، يمكننا من إعادة النهوض بالاقتصاد وإقامة عقد اجتماعيّ جديد، سواء على صعيد الدولة أو الهيئات الاقتصادية. اليوم، القطاع العام في حالة إضراب، والدولة هي أكبر صاحب عمل، لكن المؤسسات العامة والبلديات والمؤسسات العسكرية والمستشفيات الحكومية تتجنب منح الزيادات في الأجور، بما في ذلك المساعدات التي لا تدخل ضمن صلب الراتب، ولا يتمّ التصريح عنها. وإذا كانت الدولة نفسها تتجنب ذلك، فماذا يمكن أن نتوقع من أصحاب العمل الخاص؟".
الدولة وأصحاب العمل
اعتبر الاسمر أن "ما نعيشه اليوم هو دائرة مفرغة تبدأ من الدولة وتنتهي بأصحاب العمل. نحن نلاحق القضايا القطاعية، مثل مؤسسات المياه وكهرباء لبنان، ونعمل على معالجة ما يمكن من أجل أن يتقاضى الموظفون مستحقاتهم وفق حقوقهم القانونية".
ولفت إلى أن "رئيس الجمهورية طلب تشكيل لجنة لدراسة واقع الرواتب والأجور في القطاع العام، وهو ما يحصل للمرة الأولى في تاريخ لبنان، رغم أنني طلبت أن يترأس الوزراء المعنيون اللجنة مع السلطة التنفيذية، إلّا أن الرئيس فضل أن يترأس هو اللجنة ليكون على بيّنة كاملة بكل الأمور".
قانون الفجوة المالية
في ختام حديثه، تناول الأسمر قانون الفجوة المالية، مؤكدًا أن "مشروع القانون يهدف إلى حماية ودائع الطبقات الوسطى والفئات ذات الدخل المحدود من خلال تقسيطها على مدى أربع سنوات كحدّ أقصى"، وأوضح أن "القانون يشمل كلّ أصحاب الحسابات التي لا تتجاوز قيمتها 100 ألف دولار، أي الفقراء والعمّال والموظفين والأساتذة والمتقاعدين والعسكريين"، مشيرًا إلى أن "هذه الفئات تمثل حوالى 782 ألف بطاقة مصرفية، أي نحو 85 % من إجمالي الودائع، ما يجعل مشروع القانون ذا أثر مباشر وكبير عليها".
أضاف أن "الاتحاد العام المالي أعرب عن تأييده هذا المشروع"، مؤكدًا "ضرورة إجراء حوار مع رئيس الحكومة لتوضيح بعض الثغرات المتعلّقة بالفئات التي تتجاوز ودائعها المئة ألف دولار، وضمان إنصاف هذه الفئة من خلال توفير الضمانات اللازمة لها، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا منها من المغتربين الذين وثقوا بالنظام المصرفي اللبناني، بالإضافة إلى المستثمرين العرب والسوريين الذين وضعوا أموالهم في المصارف اللبنانية".
كما أشار إلى "الحاجة إلى معالجة الحسابات بالليرة اللبنانية، التي لم تشملها الضمانات، خصوصًا ودائع تعويضات نهاية الخدمة التي بقيت بالليرة منذ 2019، فضلًا عن أموال النقابات والمهن الحرّة، والاتحاد العماليّ العام، وأموال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعيّ، والتي تبلغ قيمتها نحو 10 مليارات دولار والتي بمجملها موزعة بين المصرف المركزي والمصارف التجارية".
ختم الأسمر بالقول "إن قانون الفجوة المالية بحاجة إلى دراسة مستفيضة، يجب أن تتمّ داخل اللجان النيابية والهيئة العامة لمجلس النواب، وذلك لتحديد ومعالجة الثغرات في المشروع"، مؤكدًا أن "بدء هذا المشروع وتطويره نحو الأفضل هما خطوة أساسية بعد فترة طويلة منذ عام 2019 لم نشهد خلالها أي مشروع بهذا الحجم".
يُذكر أن الأسبوع الحالي يتضمّن العديد من الإضرابات والتحرّكات، لا سيّما للموظفين والأساتذة تحت عناوين تصحيح الرواتب والأجور بما يتناسب مع قيمتها قبل الانهيار الاقتصادي.
هذا الوضع المُستمرّ على هذا النحو، لا يضرّ بالعمّال فحسب، بل يعكس خللًا أوسع في التوازن الاقتصادي والاجتماعي، ويزيد من الحاجة إلى سياسات فعّالة ومستجيبة تضمن لهم حقوقهم الحقيقية وتحميهم من تداعيات الانهيار المالي والاجتماعي المتواصل.
نداء الوطن - رماح هاشم
The post من وعد إلى وعد… العمّال يدفعون الثمن appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.
إقرأ المزيد


