تجارة مربحة وإنسانيّة معدومة... هل تدرك وزارة الصحّة ما يجري؟
لبنانون فايلز -

ملف الاستشفاء في طرابلس والشمال متشعب، ويحتاج إلى مجلدات تسجل فيها أحداث ومآسي مرضى، ومعاناة عائلات مع بعض المستشفيات الخاصة، وبعض المستشفيات الحكومية، سواء في طرابلس أو في مناطق شمالية أخرى.

تحرص جهات طبية على سمعة المستشفيات الخاصة والحكومية، ومن حقها هذا الحرص، وفق ما تقوله مصادر طبية، شرط أن تمارس وزارة الصحة دورها في الرقابة دون انقطاع، وفي المحاسبة العادلة، لا سيما الرقابة على المستشفيات الحكومية التي تعتبر ملجأ المرضى الفقراء، الذين يتعذر عليهم تسديد رسوم الاستشفاء المرتفعة في المستشفيات الخاصة، حتى لو كان المريض مضمونا.

لكن هيئات اهلية ترى ان مسؤوليات جسام تقع على عاتق السلطات الصحية الرسمية، وفي المقدمة تصحيح عقلية ادارات المؤسسات الاستشفائية، بان الاستشفاء حق انساني لكل مواطن، وليس الاستشفاء تجارة مربحة، وشتان بين التجارة والانسانية...

تروي عائلة مريض من محلة القبة بطرابلس توفي قبل أشهر ما حصل مع ابنها، الذي يبلغ من العمر حوالى 45 عاما، فقد أصيب بأعراض ذبحة قلبية نقل على أثرها إلى مستشفى طرابلس الحكومي. ولدى وصوله إلى الطوارئ وبعد معاينته، كان قد ارتاح المريض نسبيا من الأعراض المرضية للذبحة، فطلب من الأهل إعادته إلى البيت وأن وضعه مستقر، إلا أنه وخلال نقله من طوارئ المستشفى إلى منزله القريب، كان قد أصيب مجددا بذبحة أودت بحياته على الفور.

السؤال المطروح: كيف سمح للمريض بالعودة إلى منزله، دون إجراء التدابير الطبية اللازمة؟ وكيف قرر الطبيب أن وضعه مستقر؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

عائلة مريض آخر روت رحلة مريضها البالغ من العمر 86 عاما بين المستشفيات. وللمفارقة، هو جندي متقاعد في الجيش اللبناني. وتقول العائلة: فجأة انهار ووقع أرضا، فنقلناه إلى مستشفى خاص في طرابلس. الطبيب المناوب في الطوارئ ظن أن أعراضه تشير إلى حالة قلبية، فيما كان المريض يعاني من ضيق تنفس شديد ورجفان، وتلعثم في النطق وتشتت ذهني. وقرر الطبيب حاجة المريض إلى عناية فائقة غير متوافرة في المستشفى، كون غرف العناية لديهم مشغولة بالكامل، فأجروا اتصالات لتأمين نقله إلى مستشفى آخر ، وتمكنت الطبابة العسكرية من تأمين غرفة عناية في مستشفى طرابلس الحكومي.

وهنا يروي الأهل حدثين:

- أولا: طلبت إدارة المستشفى الخاص منهم مبلغ 300 دولار أجرة طبيب يرافق المريض بسيارة الإسعاف. وحين رفض الأهل، طلب منهم نقله على مسؤوليتهم (وهو مريض عسكري متقاعد).

- ثانيا: وصل المريض إلى طوارئ مستشفى طرابلس الحكومي بحالة ازدادت تأزما، لجهة ضيق التنفس وأعراض تشتت الذهن والتلعثم. أدخل المريض العناية الفائقة، ولأن المريض في حالة متأزمة، ولأن صوته كان يعلو جراء وضعه الصحي، أقدم ممرضون على ربط يديه بالسرير، وعومل معاملة مريض أعصاب، دون إجراء فحوصات مخبرية وصور شعاعية وطبقية. وفي صباح اليوم التالي، طلب من الأهل نقله إلى البيت وأنه يحتاج إلى أوكسجين.

وهنا يطرح الأهل السؤال إذا كان المريض يحتاج إلى أوكسجين فلماذا لم يعالج في المستشفى؟

لم توفر المستشفى الحكومي الرعاية اللازمة للمريض، بل تركته يواجه قدره المحتوم نحو الموت في البيت، جراء هبوط حاد لديه في الأوكسجين.

فما هو دور المستشفى ومسؤوليتها تجاه المريض؟ وماذا تقول لقيادة الجيش عن مريض لم تعالجه وفق مبادئ الطب والإنسانية؟

في البيت كاد المريض أن يلقى حتفه، لولا نقله على وجه السرعة إلى مستشفى خاص في مجدليا، حيث سارع أطباء الطوارئ إلى تلقف المريض وإجراء الإسعافات اللازمة. وبلحظات اكتشفوا أن أعراضه ليست قلبية، بل هي التهاب رئوي حاد جدا أدى إلى هبوط الأوكسجين قرابة الصفر، وكاد يطيح حياته.

كل تلك الإسعافات جرت، وخاصة الفحوصات والتصوير الطبقي، دون أن يسألوا عن مال وتأمين، على غرار ما يجري في مستشفيات خاصة في طرابلس والشمال.

ثمة تساؤلات حول دور وزارة الصحة في المستشفيات الحكومية، حيث يعرب عدد من العائلات عن اعتقادهم أن الاستهتار بحياة المريض قاعدة متبعة، وكأن لدى هذه المستشفيات الحكومية قرار خفي بتقليص عدد الفقراء في البلاد، بسياسة إهمال مرضاهم ليلقوا حتفهم.

بل إن البعض من هذه العائلات راح يحصي عدد المرضى، الذين يلقون حتفهم جراء نقلهم إلى المستشفى الحكومي.

أزمة القطاع الاستشفائي في طرابلس والشمال مزمنة ومتراكمة منذ سنين طويلة برأي أحد المصادر الطبية، وأن حل هذه الأزمة دونه عقبات شتى، منها مالية، ومنها ما يتصل بالعقلية التجارية لدى الذين أنشؤوا مستشفيات خاصة، حيث هاجسهم جني الثروات، ولا مكان لديهم لمبادئ إنسانية تراعي حالات الناس.

وهنا تشير المصادر الى أنه سبق لأحد وزراء الصحة أن اتخذ قرارا بمحاسبة أي مستشفى تمتنع عن استقبال مريض بحجة المال، أو احتجاز أي مريض إلى حين تسديد فاتورته الاستشفائية. غير أن إدارات بعض المستشفيات في طرابلس والشمال ضربت عرض الحائط هذه القرارات. ولطالما امتنعت مستشفيات عن استقبال مرضى، قبل تسديد ما يترتب من رسوم مالية، سواء كان المريض مضمونا أو غير مضمون، حتى إن المرضى المضمونين يسددون مبالغ تفوق المبالغ المحددة من الجهات الضامنة، ويضعون المريض تحت رحمة الأمر الواقع.

يقول أب لمريض في المستشفى الحكومي: ويل للفقير في هذا البلد، وويل لمن ليس له سند أو ضامن، فإنه يموت بمرضه دون رحمة أو شفقة، وما من يسأل عنه. ويتابع: إن دولة لا تبالي بمواطنيها الفقراء، وبصحتهم وحياتهم ، هي دولة لا تستطيع أن تطلب من المواطن حقوقا وواجبات، في وقت لا ترعى فيه مواطنيها وتتركهم لأقدارهم التعيسة.

ويختم: الأولى بوزارة الصحة أن تصحح صحة مستشفياتها الحكومية، وأن تنمي لدى طواقمها حس الإنسانية والرحمة والمسؤولية تجاه المريض كائنا من كان، فالفقير إنسان يحتاج إلى الرعاية. وعلى عاتق وزير الصحة تقع المسؤولية الكبرى، في المتابعة المتواصلة لأدق تفاصيل سير العمل في كل المؤسسات الصحية الرسمية، لرفع مستوى الأداء فيها على كل المستويات الطبية والإدارية والتمريضية.

جهاد نافع - الديار

The post تجارة مربحة وإنسانيّة معدومة... هل تدرك وزارة الصحّة ما يجري؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.



إقرأ المزيد