لبنانون فايلز - 1/11/2026 7:54:10 AM - GMT (+2 )
في بلد الأزمات المتراكمة تشكل الأنهار الدائمة منها والموسمية شريان الحياة حيث تزين الأنهار والينابيع تضاريسه وتغذي الأرض بالمياه العذبة وتشكل جزءا أساسيا من البيئة والاقتصاد والزراعة، لكن هذه الثروة الطبيعية اليوم، ورغم وفرة الامطار هذا الموسم، تتعرض لضغوط متزايدة بين الإهمال والتلوث والصرف العشوائي ما يهدد وجودها واستدامتها في ظل غياب شبه كامل للرقابة والمساءلة.
فالأنهار التي تعد مكونا أساسيا للتوازن البيئي تحولت في كثير من المناطق إلى مجار للنفايات السائلة والصلبة، فوفرة الأمطار هذا الموسم كشفت هشاشة البنى التحتية، مما يشكل خطرا لا يقتصر على تلوث المياه أو تراجع التنوع البيولوجي، بل يمتد ليهدد الأمن المائي والغذائي ويضع صحة اللبنانيين في دائرة الخطر.
رئيس "جمعية الأرض لبنان" والناشط البيئي بول أبي راشد يؤكد لـ"الديار" أن هذه الأنهار ليست مجرد مجاري مياه عابرة، بل عنصر أساسي في التوازن البيئي من الجبل إلى الساحل وغياب الحماية عنها يهدد استقرار الطبيعة نفسها".
وأشار ابي راشد إلى أن "أهمية الأنهار بيئيا كبيرة ومتعددة الأبعاد، فالأنهار تنقل المغذيات الطبيعية من اليابسة إلى البحر، ما يساهم في دعم الحياة البحرية والسلاسل الغذائية الساحلية كما أنها تنقل الرمال والرسوبيات التي تؤدي دورا أساسيا في ترميم الشواطئ وحمايتها من التآكل، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل التغير المناخي وارتفاع مستوى البحر"، مضيفًا "تعد ضفاف الأنهار وحرمها موطنا لتنوع بيولوجي مميز، يشمل نباتات وحيوانات وطيورًا وكائنات دقيقة لا تعيش إلا في هذه البيئات الانتقالية لذلك تصنف الأنهار ومحيطها كمناطق حساسة بيئيا، وأي اعتداء عليها ينعكس مباشرة على التنوع البيولوجي وعلى استقرار النظم البيئية".
واضاف "تؤدي الأنهار دورًا مناخيًا مهمًا، إذ تساهم في ترطيب المناخ المحلي وتنظيم درجات الحرارة بين الساحل والجبل، ما يخفف من حدة الجفاف ويعزز قدرة الطبيعة على التكيف مع التغيرات المناخية".
ويضم لبنان نحو 17 نهرا دائم الجريان تشكل العمود الفقري للأمن المائي والزراعي وتغذي السدود والينابيع الجوفية، وتؤمن الري لمناطق زراعية واسعة مثل الليطاني، العاصي، نهر إبراهيم، نهر الكلب، نهر الدامور، نهر الزهراني، نهر الأولي، نهر الكبير الجنوبي ونهر الكبير الشمالي وغيرها، كما يضم أكثر من 40 مجرى مائيًا موسميًا تنشط خلال فصل الشتاء وتجف أو تتراجع صيفا منها نهر أنطلياس، نهر الكلب، وادي نهر الموت، نهر بيروت، وادي نهر سن الفيل، وادي نهر برمانا وغيرها، هذه المجاري الموسمية تؤدي دورا بيئيا حيويا في تجديد المياه الجوفية والحد من التعرية والحفاظ على التوازن البيئي المحلي، لكنها غالبا ما تهمل وتتعرض للتلوث من مخلفات البناء والصرف الصحي والنفايات.
ويؤكد أبي راشد أن "هذه الأنهار تعاني اليوم من صرف صحي غير معالج ونفايات صلبة ومخلفات صناعية إضافة إلى التعدي على حرمها عبر المقالع والردم والبناء العشوائي وضعف محطات التكرير أو تعطلها"، مشددا على أن " هذه الممارسات لا تدمر النهر فقط بل تنقل التلوث إلى البحر وتحول الأنهار من مورد طبيعي إلى مصدر خطر صحي وبيئي".
بدوره حذر رئيس حزب البيئة العالمي، ضومط كامل من أن "الوضع المائي في لبنان بلغ مرحلة خطرة، فيما تتعرض الثروة المائية للتدمير التدريجي"، وأوضح أن الصرف الصحي يرمى إما في الأنهار ما حولها إلى مجارير مكشوفة مستشهدا بنهر بيروت الذي تحول منذ التسعينيات إلى نهر مجارير من دون أي معالجة فعلية، أو يتسرب إلى المياه الجوفية عبر آبار ارتوازية غير مطابقة، وأشار إلى أنه دون ارتفاع 1000م لم يعد هناك نبع صالح للشرب بسبب التمدد العمراني وسوء إدارة الصرف الصحي.
وفي هذا الإطار، كشفت دراسة بعنوان "تلوث مياه الأنهار في لبنان التحدي الأكثر استهانة به في مجال الصحة العامة في البلاد"، نشرت عام 2024 في مجلة Eastern Mediterranean Health Journal، عن الحالة المزرية لتلوث الأنهار اللبنانية وتأثيره العميق في الصحة العامة، موضحة أن 90% من مياه الصرف الصحي تصرف مباشرة إلى الأنهار دون معالجة، مما حول هذه المجاري المائية إلى خزانات ملوثة بالبكتيريا والمواد الكيميائية والجريان السطحي الزراعي، مع عواقب وخيمة على الإنسان والزراعة، حيث تعتمد 45% من الأراضي الزراعية على مياه الأنهار للري، ما يعني أن الملوثات تصل مباشرة إلى الأغذية التي يستهلكها الناس، ودعت إلى استثمارات فورية في محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وتشديد الرقابة على النفايات الصناعية، وتحسين تعليم المزارعين حول الممارسات المستدامة، مؤكدة أنه بدون اتخاذ إجراءات عاجلة، ستستمر أنهار لبنان في تلويث غذائه ومياهه، مما يشكل تهديدًا خطرًا للصحة العامة للأجيال القادمة.
وشدد أبي راشد خلال حديثه أن التوصيات الأساسية للحفاظ على هذه الثروة البيئية تبدأ بـ:
- تطبيق القوانين القائمة
- حماية حرم الأنهار بشكل فعلي
- وقف مصادر التلوث من المنبع
- معالجة مياه الصرف الصحي
- إعادة تأهيل الأنهار المتضررة
- إشراك المجتمعات المحلية في حمايتها
- التعامل مع الأنهار كنظم بيئية متكاملة لا كمجار لتصريف الأوساخ أو كعقبات عمرانية.
وأشار أبي راشد إلى أن المسؤولية لا تقع على عاتق وزارة البيئة وحدها، فوزارة الطاقة والمياه تتحمل أيضاً مسؤولية مباشرة في حماية الأنهار وحرَمها، من خلال إدارة الموارد المائية، وتنظيم الاستثمارات والمشاريع المائية، ومنع التعديات على الأملاك العامة النهرية، وضمان احترام القوانين والمعايير البيئية، لكن غياب التنسيق الفعلي بين الوزارتين يؤدي عمليا إلى فراغ في المسؤولية تستغله المخالفات والتعديات، مضيفا "أما دور الجمعيات البيئية، فهو أساسي في الرصد والتوعية، وفضح المخالفات، والضغط الإعلامي والقانوني، لكن إمكاناتها تبقى محدودة من دون إرادة سياسية وتطبيق صارم للقانون".
مصدر في وزارة الطاقة والمياه أكد أن" ضعف الموارد المالية والتعديات على حرَم الأنهار تشكل تحديات كبيرة أمام تحقيق نتائج ملموسة، والعمل جارٍ ضمن الإمكانات المتاحة على حماية الأنهار وإدارة الموارد المائية"، مشددا على التزام الوزارة بالتنسيق مع الجهات الرسمية والمجتمع المدني لتحسين الوضع.
وختم أبي راشد "في الخلاصة، حماية الأنهار هي حماية للبحر، وللشواطئ، وللمناخ، ولصحة الإنسان، وهي مسؤولية وطنية مشتركة لا تحتمل المزيد من الإهمال".
حماية الأنهار اليوم تعني حماية الغذاء والمناخ والصحة العامة لكل اللبنانيين، فهل ستستمر ثروتنا المائية تتآكل أمام عجز الإدارة والتقصير، أم أن هناك إرادة فعلية لحمايتها قبل فوات الأوان وفقدان شريان الحياة الذي لا يعوض؟
ربى أبو فاضل - الديار
The post شريان الحياة في لبنان مهدد رغم وفرة الأمطار هذا الموسم appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.
إقرأ المزيد


