الأسواق على أعتاب موجة من صفقات الاكتتاب لشركات التكنولوجيا
بتوقيت بيروت -

تقف الأسواق المالية هذا العام على أعتاب مرحلة جديدة تنذر بموجة متصاعدة من صفقات الاكتتاب العام لشركات التكنولوجيا، بعد فترة من الترقّب والحذر فرضتها تقلبات الاقتصاد العالمي وتشديد السياسات النقدية، وهو اختبار لشهية المستثمرين، خاصة مع بروز شركات تتمتع بقدرة فريدة لدخول البورصات.

ظلت أقوى شركات وادي السيليكون لأكثر من عقد من الزمن، لفترة أطول من أي وقت مضى، مدعومة برؤوس أموال ضخمة وتمويل من صناديق الثروة السيادية.

لكن مع استمرار ارتفاع الفائدة، وتضخم تكاليف البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ونضوج بعض أكبر الشركات الخاصة في العالم لتصبح شركات ذات أهمية وطنية، وجيوسياسية متزايدة، تعود أسواق المال العامة تدريجيًا إلى الواجهة.

ولا يُعد هذا طفرة في الاكتتابات العامة الأولية، حيث يواصل المسؤولون التنفيذيون التأكيد على أنهم ليسوا في عجلة من أمرهم، وفي كثير من الحالات، ربما يكونون صادقين.

لكن في مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء وبرمجيات المؤسسات، باتت مجموعة من الشركات ضخمة، متعطشة لرأس المال، ومعقدة تشغيليًا إلى درجة أن الاستعداد لدخول سوق الأسهم أصبح ضرورة لا غنى عنها.

ويبرز عام 2026 كأفق زمني محتمل، وإن كان غير رسمي حتى الآن، بحسب تقرير لمنصة “سيتي أي.أم”، وهو الموقع الإلكتروني لصحيفة الأعمال البريطانية المجانية، والذي أوردته منصة “أويل برايس”.

وقد أفادت التقارير في ديسمبر الماضي بأن مختبر الذكاء الاصطناعي، المدعوم من أمازون، قد استعان بشركة ويلسون سونسيني للمحاماة، وهي شركة وثيقة الصلة بإدراجات شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، لتقديم المشورة بشأن جاهزية السوق.

وقد صرحت الشركة بأن هذا إجراء احترازي وليس مؤشرًا على نية جادة، لكن التوقيت له دلالة.

ويتطلب تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة الآن التزامات بمليارات الدولارات في مجال الحوسبة والطاقة وعقود الحوسبة السحابية طويلة الأجل.

وحتى بالنسبة للشركات القادرة على جمع رؤوس أموال خاصة بتقييمات باهظة، فقد تغير التوازن بين المرونة والاستقرار.

وقيّمت جولة التمويل الأخيرة لشركة أنثروبيك الشركة بأكثر من 300 مليار دولار، لكن الحفاظ على هذا المسار يتطلب تأمين تمويل بشروط لا تصبح أكثر تقييدًا مع مرور الوقت.

وفي المقابل، تواجه أوبن أي.آي وضعًا أكثر تعقيدًا، حيث أفادت رويترز مؤخرًا بأن الشركة تستعد لطرح عام أولي محتمل في النصف الثاني من عام 2026، ربما بقيمة تقارب تريليون دولار.

وتحاول الشركة، مُبتكرة برنامج تشات جي.بي.تي، التقليل من شأن هذه الفكرة علنًا، بل إن مؤسسها سام ألتمان شكك في مدى ملاءمة التدقيق وقصر النظر في أسواق المال العامة لمنظمة مكلفة ببناء ذكاء اصطناعي للأغراض العامة.

ومع ذلك، تشير توقعات أوبن أي.آي نفسها إلى هذا التناقض. فالإيرادات تنمو بسرعة، لكن الالتزامات بعقود طويلة الأجل لتوريد الرقائق ومراكز البيانات تتزايد أيضًا، وهي عقود تمتد لسنوات قادمة.

وتقول سيتي أي.أم إن ضخامة هذه الالتزامات هي ما يجعل مسألة هيكل رأس المال المستدام أمرًا لا مفر منه، سواء كان الطرح العام هو الحل الأمثل أم لا.

وإذا كانت أوبن أي.آي تعكس الضغوط المالية التي تواجه الذكاء الاصطناعي، فإن سبيس إكس تمثل حدود الملكية الخاصة على نطاق واسع.

وتشير التقارير إلى أن شركة إيلون ماسك قد تُدرج أسهمها بالبورصة في منتصف أو أواخر 2026، بقيمة قد تبلغ 1.5 تريليون دولار. ولم يُؤكد ماسك جدولًا زمنيًا، لكنه أقرّ بصحة التقارير التي تتحدث عن الاستعدادات للاكتتاب العام.

وما تغيّر هو مزيج الأعمال. إذ يأتي نحو 70 في المئة من إيرادات سبيس إكس حاليًا من ستارلينك، قسم النطاق العريض عبر الأقمار الاصطناعية، والذي يضم ملايين المشتركين ويعتمد نموذج إيرادات متكررة يبدو مألوفًا بشكل متزايد لمستثمري السوق العامة.

ولا يزال إطلاق المركبات الفضائية يتطلب رأس مال ضخمًا وغير قابل للتنبؤ. فمثلا شركة ستارلينك، على النقيض من ذلك، والتي تُشبه شركة اتصالات عالمية.

ومع ذلك، فإنّ إدراج أسهم سبيس إكس بسعر قريب من الأرقام المتداولة يتطلب ثقةً ليس فقط في نموّ ستارلينك، وفق سيتي أي.أم بل أيضاً في قدرتها على تنفيذ مشروع ستارشيب والحفاظ على ريادتها التقنية في ظلّ تسارع الصين في طموحاتها الفضائية التجارية.

ولا يتعلق الأمر بالضجة الإعلامية بقدر ما يتعلق بقدرة الأسواق الخاصة وحدها على استيعاب حجم الاستثمار اللازم للشركة، وفق الخبراء.

وفي سياق آخر، تبدو مجموعة ثانية من شركات التكنولوجيا في مراحلها الأخيرة أقرب بكثير إلى مسار الاكتتاب العام التقليدي.

وتُشبه شركتا داتا بريكس وكانفا، على وجه الخصوص، الشركات التي أمضت سنوات عديدة في الاستعداد المُتعمّد للأسواق العامة بدلاً من التردد في دخولها.

وتُحقق داتا بريكس، التي تُعدّ برامجها الخاصة بالبيانات والتحليلات جزءاً أساسياً من بنية الذكاء الاصطناعي الحديثة، حالياً إيرادات سنوية تتجاوز 4 مليارات دولار، وقد صرّحت للمستثمرين بأنّ تدفقاتها النقدية إيجابية.

وجمعت الشركة تمويلًا هذا العام بقيمة بلغت حوالي 134 مليار دولار، ما يؤكد مكانتها كإحدى أغلى شركات البرمجيات الخاصة في العالم.

تزايد الطلب على رأس المال في الذكاء الاصطناعي والفضاء يجعل من الملكية الخاصة طويلة الأجل غير عملية لعمالقة القطاع

وقد كان الرئيس التنفيذي علي غودسي صريحا بشكل غير معتاد في وادي السيليكون، مُقرًا بأن الإدراج في البورصة هو “النتيجة الطبيعية” لشركة بهذا الحجم.

لكنه أصرّ على أن التوقيت هو الأهم. ومع تزايد حساسية زبائن الشركات للاستقرار وخطط العمل طويلة الأجل، وسط حديث عما يُسمى بفقاعة الذكاء الاصطناعي، قد يُوفر الإدراج في البورصة طمأنينة بقدر ما يُوفر سيولة.

أما مسار شركة كانفا فكان أكثر منهجية. إذ تُشير منصة التصميم إلى وجود أكثر من 250 مليون مستخدم نشط شهريًا على مستوى العالم، وقد توسعت بثبات لتشمل مجالات أخرى غير الرسومات الاستهلاكية.

وقد أجرت بالفعل عدة عمليات بيع أسهم داخلية لتوفير السيولة للموظفين، وأعادت هيكلة الحوكمة، وعيّنت مسؤولين ماليين ذوي خبرة في أسواق المال، وكلها مؤشرات تُنبئ بالاكتتاب العام.

ومع ذلك، لا يزال المؤسسان ميلاني بيركنز وكليف أوبراخت يؤكدان على الاستقلالية، قائلين إن الربحية وتوسيع المنتجات يأتيان قبل الطرح العام الأولي.

وما يميز هذه الشركات عن مختبرات الذكاء الاصطناعي ومشاريع الفضاء هو القدرة على التنبؤ، فالإيرادات متكررة، واحتياجات رأس المال قابلة للإدارة، ونماذج الأعمال مفهومة جيدًا لدى المستثمرين.

وفي هذا السياق، يرى خبراء سيتي أي.أم أنه إذا ما فُتح باب الاكتتاب العام الأولي بجدية، فقد تكون هذه الشركات الأقل شهرة والأكثر هدوءًا هي التي تختبر السوق أولًا.



إقرأ المزيد