هل أمن الموارد هو العملة الرائجة لليسار في أميركا اللاتينية؟
لبنانون فايلز -

مع إشراقة شمس اليوم الثالث من هذا العام فوق منطقة البحر الكاريبي، بدا الوضع الجيوسياسي في نصف الكرة الغربي وكأنه على وشك أن يشهد تحولًا جذريا مقارنة بما كان عليه قبل يومين فقط! فالعالم أصبح في مواجهة واقع جديد قاس في أعقاب التحرك الأميركي المفاجئ في فنزويلا واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. والظاهر أن زمن الترويج الديبلوماسي والتشجيع الديبلوماسي في أميركا اللاتينية قد ولّى، وحلّ محله نهج بارد وجاف للواقعية الجيو – اقتصادية، وهي استراتيجية لا يُعتبر فيها النفط والليثيوم والمعادن الأرضية النادرة مجرد آثار جانبية، بل نتائج نهائية بحد ذاتها.

فعلى مدى عقود، أبدت الولايات المتحدة الأميركية اهتمامًا «زائفًا» بمنطقة أميركا اللاتينية من خلال أيديولوجيتها التي تُروّج وتدعو إلى انتخابات حرة تحترم حقوق الإنسان. ومع ذلك، فإن استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، والأحداث العسكرية الأخيرة في فنزويلا، تُشير إلى أن واشنطن لم تعد تمارس سياسات من تحت الطاولة إذ يشير مبدأ ترامب، المستمد من مبدأ «مونرو»، إلى أن هوية حكومة دولة مجاورة لم تعد الهدف الأساسي، بل أمن السلع التي تُحرك اقتصاد القرن الحادي والعشرين.

الاستباق النفطي الفنزويلي
لطالما كانت فنزويلا كالعائق الأكبر أمام استقرار نصف الكرة الأرضية. فهي تُسيطر على أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، تُقدر بأكثر من 300 مليار برميل، وتُمثل رصيدًا استراتيجيًا لا يمكن للولايات المتحدة الأميركية تركه في أيدي جماعة معادية.

ويُعدّ الجانب الاقتصادي للمسألة بالغ الأهمية. فمع وصول الولايات المتحدة الأميركية إلى مستويات الإنتاج المحلي، اتجه العالم نحو تقريب الإنتاج من مصادره الأصلية وفصل أسواق الطاقة في الشرق الأوسط وأوراسيا، مما جعل النفط الخام الفنزويلي الثقيل عنصرًا أساسيًا في مصافي ساحل الخليج. والأهم من ذلك، أن اعتقال مادورو يُعتبر إجراءً استباقيًا استراتيجيًا. لم يكن تحرك واشنطن يهدف بالدرجة الأولى إلى استعادة الديموقراطية، بل إلى ضمان عدم تحوّل هذه الاحتياطيات الهائلة إلى مصدر رئيسي للوقود لكتلة اقتصادية صينية مهيمنة ومتنامية.

بإزاحة نظام مادورو، تستعد الولايات المتحدة الأميركية للإشراف على إعادة بناء شركة النفط الحكومية (PDVSA) بتكلفة مليارات الدولارات، بحيث تكون زمام الأمور بيد الشركات الغربية لا شركات صينية أو روسية.

مثلث الليثيوم: خليج جديد
مع أن النفط يتصدر عناوين الأخبار، إلا أن اللعبة طويلة الأمد تُدار في سهول الملح الشاهقة في جبال الأنديز. يُعدّ مثلث الليثيوم، الذي يضم الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي ويحتوي على أكثر من نصف احتياطيات الليثيوم المعروفة في العالم، كالذهب الجديد في اقتصاد المستقبل لعام 2026، والذي ستُحدد قوته الوطنية من خلال مراكز البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والنقل الإلكتروني.

وقد تحوّل تركيز السياسة الأميركية الحالية في هذا المجال بشكلٍ كبير نحو سلاسل إمداد المعادن الحيوية:

أولًا – الاستثمار المباشر بدلًا من المساعدات: تتجاوز الولايات المتحدة منح التنمية من نوع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) إلى حصص ملكية مباشرة وقروض بنية تحتية لمشاريع التعدين.

ثانيًا – مفاضلة الاستقرار: أصبحت واشنطن أكثر استعدادًا للتعاون مع ما يُسمى بالقادة الأقوياء في دول مثل السلفادور والأرجنتين، ما داموا قادرين على توفير ما يُسمى بالظروف المستقرة لاستخراج الموارد وتصديرها إلى المنطقة الغربية.

ثالثًا – سيادة سلسلة الإمداد: تكمن الفكرة في إنشاء «حصن نصف كروي» تعالَج فيه العناصر الأرضية النادرة والمعادن ذات الجودة العالية المستخدمة في صناعة البطاريات في الأميركيتين، مما يُنهي فعليًا هيمنة الصين على عمليات المعالجة.

ثمن الواقعية
يرى النقاد أن نهج «الموارد أولاً» يتعارض مع القيم الأميركية. ويشيرون إلى أن الولايات المتحدة، من جهة، تتوق إلى إدانة الاستبداد في فنزويلا، بينما تروج له في دول أخرى حيث يصب في مصلحتها. ومع ذلك، من وجهة نظر استراتيجية، فإن هذا ليس إلا قبولًا للواقع الذي نعيشه. فلم يعد الاقتصاد العالمي سوقًا حرة في عام 2026، بل ساحة تنافسية للبقاء. إن فشل الولايات المتحدة في حماية ذهب الأمازون أو المعادن النادرة في البرازيل يعني أن المنافسين سيفعلون ذلك. وبالتالي فإن «مبدأ دونرو» هذا، كما وصفته بعض التعليقات لسياسة الرئيس ترامب، لا يعتبر أميركا اللاتينية شريكًا في الديموقراطية، بل مجرد منطقة خلفية يجب الدفاع عنها ضد أي غزو أجنبي غير مرغوب فيه.

التبعات الاقتصادية
كانت ردة فعل السوق على المدى القصير تجاه العملية الفنزويلية مزيجًا من التقلبات والارتفاعات الطفيفة. لكن المستهلك الأميركي سيلاحظ انخفاضًا في أسعار النفط، مصحوبًا بأخبار سارة عن إمكان زيادة المعروض وازدهار قطاع التكنولوجيا. أما بالنسبة للمواطن اللاتيني، فالأمر أكثر تعقيدًا، فصحيح أن هناك المزيد من الاستثمارات، لكن على حساب السيادة الوطنية، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب موارده الطبيعية.

لم يعد السؤال «هل ستتدخل الولايات المتحدة؟» موجهًا إلى ما تبقى من عام 2026، بل أصبح السؤال «ماذا بعد؟». ولم يعد التركيز على صناديق الاقتراع، بل على مناجم الثروات الطبيعية. الديموقراطية أمرٌ مرغوب فيه في هذا العصر الجديد، لكن الوصول إلى الموارد أمرٌ لا غنى عنه.

جاسم عجاقة - الديار

The post هل أمن الموارد هو العملة الرائجة لليسار في أميركا اللاتينية؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.



إقرأ المزيد