بتوقيت بيروت - 1/4/2026 2:11:16 PM - GMT (+2 )

وتواجه إيران مشكلة تضخم عنيدة أثرت على الحياة اليومية لسنوات. وارتفعت أسعار الغذاء والسكن والأساسيات بشكل أسرع من الأجور، مما أدى إلى إجهاد الأسر في جميع أنحاء البلاد.
ويقول المحللون إن جذور التضخم تكمن في مزيج من الإنفاق الحكومي المرتفع، والتوسع النقدي السابق، والاعتماد على عائدات النفط، مما يجعل الاقتصاد حساسًا لأسواق الطاقة العالمية.
قدم الرئيس مسعود بيزشكيان، الثلاثاء، رسميًا ميزانية الحكومة للعام المالي 2026 إلى البرلمان، لبدء مراجعة مفصلة في وقت تعد فيه إدارة التضخم وحماية سبل العيش العامة أولوية قصوى.
وتعد الميزانية المقترحة هي الأولى في تاريخ إيران التي يتم إعدادها بالكامل في ظل النظام النقدي الجديد، الذي أزال أربعة أصفار من العملة الوطنية.
ويقول المسؤولون إن إعادة العملة تبسط الحسابات المالية وتعزز مصداقية التخطيط الحكومي، مما يوفر صورة أوضح للإنفاق والإيرادات والأولويات الاقتصادية.
وقد قامت الحكومة بصياغة الميزانية بحيث تعكس التعديلات الهيكلية والانضباط المالي. وقد تم تحديد أهداف قابلة للقياس لجميع البرامج الرئيسية، من التعليم إلى الرعاية الصحية إلى الرعاية الاجتماعية، مما يمثل تحولاً نحو الميزنة القائمة على الأداء.
ومن الناحية العملية، يعني هذا أنه سيتعين على كل وزارة إظهار نتائج للأموال التي تتلقاها، والحد من الهدر وضمان وصول الموارد إلى أهدافها المقصودة.
ويشير المراقبون إلى أنه من خلال ربط الميزانيات بنتائج حقيقية بدلاً من التخصيصات التعسفية، تتخذ طهران خطوة عملية نحو إنفاق حكومي أكثر قابلية للتنبؤ به، وهو عنصر أساسي للسيطرة على التضخم.
وأكد المسؤولون أن الميزانية مصممة لحماية مستويات معيشة الأسر حتى لو استمر التضخم. وسلط الرئيس بيزشكيان الضوء على التعاون المستمر بين المسؤولين الحكوميين والمشرعين والخبراء الاقتصاديين لمواءمة الموارد مع الاحتياجات العامة.
وقال للصحفيين “هدفنا هو التوصل إلى تفاهم مشترك على أساس موارد واقعية”، مشددا على أن أي التزامات يجب أن يتم تمويلها بشكل موثوق شهرا بعد شهر.
ويتضمن جزء من استراتيجية حماية الأسر برنامجًا موسعًا للقسائم الغذائية، يتم تمويله من خلال زيادة تحصيل ضريبة القيمة المضافة وغيرها من الموارد المستهدفة. وتم تخصيص حوالي 2.5 مليار دولار لهذا البرنامج الذي يساعد الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط على الحصول على السلع الأساسية.
ومن خلال تقديم الدعم المباشر لأولئك الأكثر تضررا من زيادات الأسعار، تأمل الحكومة في تخفيف تأثير التضخم مع تجنب التوسع العشوائي في الدعم، والذي يمكن أن يؤدي في حد ذاته إلى زيادة ضغوط الأسعار.
وتعتمد الميزانية أيضًا على تحسين عملية تحصيل الضرائب والاستخدام الدقيق لعائدات النفط. وتتوقع السلطات أن ينمو الدخل الضريبي بنسبة 62% مقارنة بالعام الماضي، مما يعكس قواعد ضريبية أوسع وزيادة كفاءة التحصيل.
ويتم التخطيط لاقتراض عائدات النفط من صندوق التنمية الوطنية بطريقة خاضعة للرقابة، مع تخصيص حوالي 6 مليارات دولار للمشاريع الرئيسية.
وتشير هذه التدابير مجتمعة إلى أن الحكومة تحاول تحقيق التوازن بين المسؤولية المالية والحماية الاجتماعية، وهو مزيج يرى الخبراء أنه ضروري لتحقيق استقرار الأسعار مع مرور الوقت.
ويلعب الإصلاح النقدي دورا مركزيا في خطة إيران للحد من التضخم. ومن خلال إعادة تقييم العملة، أشارت طهران إلى التزام طويل الأمد بالاستقرار النقدي.
وبالاقتران مع التدابير الرامية إلى السيطرة على نمو المعروض النقدي وتحسين كفاءة الإنفاق العام، يمكن للإصلاح أن يستعيد الثقة تدريجيا في العملة الوطنية، ويلبي التوقعات ويبطئ وتيرة ارتفاع الأسعار.
واعترف بيزشكيان أيضًا بالتحديات الأوسع التي تواجه الاقتصاد، بما في ذلك الضغوط البيئية مثل ندرة المياه، والتي يمكن أن تؤثر بشكل غير مباشر على أسعار المواد الغذائية.
وشدد على أن القرارات المستقبلية ستعتمد على تحليلات الخبراء بدلا من النزاع السياسي، مما يشير إلى اتباع نهج عملي في التعامل مع المشاكل المعقدة.
وسوف تقوم البرامج التجريبية على مستوى المقاطعات باختبار الحلول قبل تنفيذها على المستوى الوطني، مما يسمح للحكومة بالتعلم وتعديل السياسات من دون خلق صدمات اقتصادية غير ضرورية.
وتعكس الميزانية الجديدة اعترافاً واضحاً بأن ترويض التضخم لا يمكن ترويضه إلا من خلال إصلاحات قصيرة الأجل أو الضوابط الإدارية للأسعار. وبدلاً من ذلك، تركز طهران على الإنفاق الذي يمكن التنبؤ به، والدعم المستهدف، والواقعية المالية، والشفافية.
ومن خلال ربط الأموال بنتائج قابلة للقياس، وتحسين الآليات الضريبية، وإدارة عائدات النفط بعناية، ودعم الأسر بشكل مباشر، تعمل الحكومة على بناء إطار قادر على وضع التضخم تحت السيطرة تدريجيا.
إن عملية المراجعة البرلمانية، الجارية الآن، سوف تختبر مدى جدوى الميزانية وقدرة الإدارة على تنفيذ هذه التدابير. وأمام المشرعين خمسة أيام لتقديم التعديلات بعد الموافقة على المخطط العام، وستتأكد اللجان المتخصصة من أن خطط الإيرادات والنفقات واقعية ومتسقة بشكل متبادل.
ويرى المراقبون أن هذه فرصة للرقابة البناءة بدلا من المواجهة، حيث يساعد الحوار بين البرلمان والحكومة على تحسين السياسات قبل أن تدخل حيز التنفيذ.
باختصار، تتحرك إيران بحذر ولكن بشكل متعمد نحو نظام قادر على إدارة التضخم مع حماية الأسر في الوقت نفسه.
ومن خلال التأكيد على الواقعية والمساءلة والدعم الاجتماعي الموجه، ترسل الحكومة إشارة مفادها أن ارتفاع الأسعار لا ينبغي أن يطغى على الحياة اليومية.
بالنسبة للإيرانيين العاديين، قد يكون التأثير المباشر تدريجيًا. وقد لا يتوقف نمو الأسعار بين عشية وضحاها، ولكن إعادة المعايرة الدقيقة للسياسة المالية والنقدية تخلق الأساس للاستقرار.
وإذا تم تنفيذ الميزانية بفعالية، فقد تشكل نقطة تحول، مما يدل على أن التخطيط الدقيق والإصلاح الهيكلي يمكن أن يحدثا فرقا ملموسا للأسر في جميع أنحاء البلاد.
إقرأ المزيد


