أسواق اليوروبوند مطلع 2026: تفاؤل محفوف بالحذر
لبنانون فايلز -

في أوّل يوم عمل من هذه السنة، نهار أمس الجمعة، سجّلت سندات اليوروبوند اللبنانية أسعارًا سوقيّة تراوحت قيمتها بين 23.2 و23.34 سنتاً للدولار، حيث تفاوتت -كالعادة- قيمتها ضمن هامش معيّن، وفقًا لتاريخ استحقاق كل شريحة من شرائح السندات. وبهذا الشكل، تكون هذه السندات قد سجّلت مطلع هذا العام زيادةً بنسبة 80%، في أسعارها السوقيّة، مقارنة بمطلع عام 2025، حين تراوحت الأسعار عند مستويات قريبة من 13 سنتاً للدولار.

على هذا الأساس، يمكن القول إنّ سندات اليوروبوند شهدت العام الماضي أفضل أداء لها، منذ إعلان البلاد عن وقف سداد هذه المُستحقّات في آذار 2020. ومن المهم التنويه هنا إلى أنّ أسعار السندات تعكس توازنات العرض والطلب، التي يتحكّم بها كبار اللاعبين في الأسواق الدوليّة. وهذا ما يجعل أسعار تلك السندات -وجميع المؤشّرات المرتبطة بها- "باروميتر" يقيس نسبة تفاؤل أو تشاؤم هؤلاء اللاعبين الكبار، وتحديدًا لجهة مدى اقتراب البلاد من مرحلة إعادة هيكلة الديون السياديّة. وأداء السندات خلال الفترة الماضية، يدل على تفاؤل ملحوظ، قياسًا بجميع سنوات الأزمة السابقة.

ومع ذلك، ظلّ هذا التفاؤل محفوفًا بالقلق والحذر. فالألغام على طريق الاتفاق مع صندوق النقد الدولي لا تزال موجودة، وكذلك مخاطر الوضع الأمني جنوبًا، فضلاً عن علامات الاستفهام التي تحيط بمستقبل سلاح حزب الله، ومواقف الدول المؤثّرة في الملف اللبناني. ومؤشّرات القلق هذه، انعكست على أداء أسعار اليوروبوند خلال محطّات عديدة، طوال الفترة الماضية.

أسباب ارتفاع الأسعار

الأسعار التي تم تسجيلها في مطلع هذا العام، مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، عكست عدّة قفزات خلال مراحل متعدّدة من عام 2025:

- القفزة الأولى في الأسعار، شهدتها خلال شهر كانون الثاني 2025، مع انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهوريّة. إذ سجّلت الأسواق خلال أسبوع واحد ارتفاعات بنسبة تجاوزت الـ 24%، لتقفز الأسعار من مستويات تقارب الـ 13 سنتاً للدولار، إلى أكثر من 16.25 سنتاً للدولار. وكان من الواضح أن السوق استشعرت، بعد انتخاب عون، أن البلاد تتجه إلى مرحلة سياسيّة جديدة، عنوانها الانتهاء من الفراغ الرئاسي، وإعادة ترميم العلاقة من الغرب والدول العربيّة. ولهذه التحوّلات، بالتأكيد، أثرها على مستقبل الوضع المالي.

- القفزة الثانية، حصلت في أعقاب تشكيل حكومة نوّاف سلام، حيث ارتفعت الأسعار -مرّة جديدة- إلى مستويات تجاوزت 18.3 سنتاً للدولار. وبهذا الشكل، وبمجرّد إعادة الانتظام لعمل المؤسّسات الدستوريّة، ارتفعت أسعار السندات بنسبة 40%، مقارنة بأسعارها في بداية العام (13 سنتاً للدولار كما أشرنا).

- في شهر أيلول الماضي، حصلت ثالث أهم قفزة في الأسعار، حين ارتفعت القيمة السوقيّة للسندات إلى مستويات تجاوزت 22 سنتاً للدولار. في تلك المرحلة، كان مجلس النوّاب قد أقرّ سابقًا قانون إصلاح أوضاع المصارف، وقبلها قانون رفع السريّة، وهو ما حقّق بعض الشروط التي طرحها صندوق النقد الدولي. وجاء بعدها تقرير مصرف جي. بي. مورغان، الذي توقّع أن تتراوح أسعار السندات بين 23 و24 سنتاً للدولار، بحلول نهاية 2025، مع إمكانيّة أن تتراوح بين 27 و28 سنتاً للدولار خلال العام 2026 في حال استكمال تنفيذ البرنامج مع صندوق النقد الدولي.

- أخيراً، وخلال الربع الأخير من عام 2025، بدأت الأسعار تسجّل -خلال عدّة أسابيع- مستويات تتراوح بين 23 و24 سنتاً للدولار، وجاء ذلك مدفوعاً بتسارع الخطوات المرتبطة بإقرار مشروع قانون الفجوة الماليّة، في الحكومة اللبنانيّة. ومن المعلوم أن هذا القانون يمثّل الضلع التشريعي الثالث والأخير، المطلوب لإطلاق عمليّة إعادة هيكلة المصارف، إلى جانب قانونيّ إصلاح المصارف ورفع السريّة المصرفيّة.

حذر لم يبدّده التفاؤل

كما هو واضح من الأرقام، لم تبلغ أسعار السندات المستوى الذي كان يمكن تحقيقه، لو تم تذليل جميع العقبات التي تحول دون الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وفقًا لتقديرات جي. بي. مورغان التي أشرنا إليها سابقًا. وأهميّة هذا الاتفاق، بالنسبة لحملة السندات، يكمن في توفيره الضمانه، إزاء جديّة برنامج التصحيح المالي الذي ستعتمده الدولة اللبنانيّة خلال السنوات المقبلة. فعلى أساس هذا البرنامج، وبعد التأكّد من مصداقيته، سيكون بإمكان السلطات اللبنانيّة الشروع بالتفاوض مع حملة السندات، لإعادة هيكلة الديون وفق استحقاقات وقيم وفوائد جديدة.

ومن الزاوية الماليّة، يمكن الإشارة إلى بضعة عقبات لم يتم تذليلها بعد. فالصندوق أبدى مجموعة ملاحظات، على قانون إصلاح أوضاع المصارف، الذي أقرّه البرلمان سابقًا، لتوفير الإطار التنظيمي لعمليّة إعادة الهيكلة. أمّا مشروع قانون الفجوة الماليّة، بصيغته الأخيرة، فلم يعالج جميع ملاحظات الصندوق أيضًا، ومنها الجانب المرتبط بتراتبيّة الحقوق والمطالب، واعتماد مبدأ "الحساب الواحد في كل مصرف" لضمان الحد الأدنى من كل وديعة، بدل ضمان مبلغ معيّن من إجمالي أموال كل مودع في النظام المصرفي. وعلى مستوى ماليّة الدولة، ثمّة لائحة من الملاحظات التي قدّمها الصندوق، بخصوص آليّة إعداد موازنة عام 2026، ومنها ضرورة لحظ جميع النفقات، بما فيها تلك المتأتية من برامج دعم أو تمويل خارجي.

إلى جانب كل هذه الإشكاليّات الماليّة، ثمّة تساؤلات حول مستقبل الوضع السياسي في لبنان. فمؤتمرات الدعم والتمويل، المرتبطة بمساريّ إعادة الإعمار والتعافي المالي، تحتاج إلى زخم عربي ودولي، وهذا ما يستلزم أولاً إنجاز التفاهمات الأمنيّة المتعلّقة بسلاح الحزب بغطاء خارجي. وإذا كانت فرنسا تحاول حصر شروط هذه المؤتمرات بالجانب الإصلاحي والمالي فقط، ثمّة دول أخرى تعطي أهميّة خاصّة للجانب السياسي أيضًا.

علي نور الدين - المدن

The post أسواق اليوروبوند مطلع 2026: تفاؤل محفوف بالحذر appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.



إقرأ المزيد