بتوقيت بيروت - 3/27/2026 1:18:52 PM - GMT (+2 )
في ضواحي مدينة مليط غربي السودان، عثرت الشابة (أحلام إسماعيل) على طفلين شقيقين وصلا إلى المدينة دون مرافقة ذويهما، بعد رحلة نزوح مضنية من مدينة الفاشر، جراء تصاعد أعمال العنف بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، وسيطرة الأخيرة على المدينة.
وبحسب إفادة (أحلام) فإن الطفلين كانا في حالة إنسانية صعبة، بعد أن فقدا عدداً من أفراد أسرتهما أثناء المواجهات التي شهدتها الفاشر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، قبل أن يتمكنا من الفرار مع موجات النازحين سيراً على الأقدام حتى وصلا إلى مليط.
وتضيف في حديثها لـ”بي بي سي”: “وجدت هذين الطفلين في مليط، وكانا يعانيان من أوضاع صعبة بعد مقتل عدد من أفراد أسرتهما، وتمكنا من الفرار. أتكفل الآن برعايتهما إلى حين أن أعثر على بقية أسرتهما”.
ولا تمثل قصة هذين الطفلين حالة نادرة، بل تعكس واقعاً أوسع يعيشه آلاف الأطفال في السودان. فقد كشفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقرير حديث عن تسجيل نحو 42 ألف طفل غير مصحوب أو منفصل عن أسرهم في السودان ودول الجوار، نتيجة النزاع المستمر منذ ما يقارب ثلاثة أعوام.
ووفقاً للتقرير، يواجه هؤلاء الأطفال تحديات جسيمة، من بينها غياب الرعاية الأسرية، والتعرض لمخاطر الاستغلال والعنف، إضافة إلى صعوبات كبيرة في الحصول على التعليم والخدمات الصحية، في ظل انهيار واسع للبنية التحتية في مناطق النزاع.
وتشير تقارير أممية أخرى، من بينها تقديرات صادرة عن منظمات تعنى بالطفولة، إلى أن ملايين الأطفال في السودان باتوا خارج النظام التعليمي، بينما يعاني عدد كبير منهم من آثار نفسية واجتماعية عميقة نتيجة التعرض لتجارب النزوح وفقدان أفراد الأسرة والعيش في بيئات غير مستقرة.
تكشف البيانات التفصيلية للأمم المتحدة عن خارطة مأساوية لتوزيع الأطفال السودانيين المنفصلين عن ذويهم في دول المنطقة، حيث تتحمل جمهورية تشاد العبء الأكبر باستضافتها نحو 24 ألف طفل، تليها إثيوبيا بـ 7 آلاف، ثم مصر وجنوب السودان بنحو 6 آلاف لكل منهما، بينما سُجلت أعداد أقل في كل من أوغندا وليبيا وأفريقيا الوسطى.
وفي محاولة لمحاصرة تداعيات الأزمة، قدمت الأمم المتحدة خدمات حماية لنحو 329 ألف طفل على مستوى الإقليم، يتلقى معظمهم خدمات من 119 مساحة صديقة للطفل، تتركز غالبيتها العظمى في تشاد.
كما حصل نحو 21 ألف طفل على إجراءات “المصلحة الفضلى”، وهي عملية تقييم قانونية وإنسانية تجريها المنظمات الدولية لضمان أن يكون المسار المتخذ لكل طفل منفصل هو الأكثر أماناً وحفظاً لحقوقه الجسدية والنفسية. وبحسب المنظمات العاملة في الحقل الإنساني فإن هذه التدابير تهدف إلى تحديد الرعاية البديلة المناسبة، ومنع الاستغلال أو التجنيد، وتسريع جهود البحث عن العائلات للم الشمل في بيئة تحمي مستقبل الطفل.
ومع لجوء قرابة 4.5 مليون سوداني إلى دول الجوار، تواجه الاستجابة الإنسانية “فجوة تمويلية” خانقة بلغت 78% في العام الماضي، في وقت تحتاج فيه عمليات حماية الطفل إلى 66 مليون دولار خلال عام 2026.
هذا النقص الحاد في الدعم، يتزامن مع واقع كارثي يحرم 16 مليون طفل من التعليم، ما دفع الآلاف منهم نحو عمالة الأطفال في المهن الهامشية، أو الوقوع في فخ التجنيد القسري من قبل الجماعات المسلحة، وسط تحذيرات أممية من أن استمرار انعدام الأمن وتراجع سبل العيش يزيد من احتمالات تعرض هؤلاء الصغار لشبكات الإتجار بالبشر والاستغلال والزواج القسري.
أدى استمرار القتال واتساع رقعته إلى موجات نزوح واسعة، كان الأطفال من أكثر الفئات تضرراً بها، حيث يفقد كثير منهم الاتصال بذويهم أثناء الفرار من مناطق الاشتباكات، ما يضعهم في أوضاع إنسانية معقدة تزيد من احتمالات تعرضهم لمخاطر متعددة.
وفي هذا السياق، رجّحت وزيرة الرعاية والضمان الاجتماعي، سليمى إسحق، وجود حالات اتجار محتملة بالأطفال، مشيرة إلى وصول بعضهم إلى دول مجاورة بعيدة نسبياً عن مناطق النزاع، مثل أوغندا وإثيوبيا وجنوب السودان. وأوضحت أن محاولات تتبع هذه الحالات لم تسفر عن نتائج حاسمة حتى الآن، ما يثير مخاوف بشأن سلامة هؤلاء الأطفال ومسارات انتقالهم.
ويرى مراقبون أن استمرار النزاع، إلى جانب محدودية الموارد الإنسانية، يفاقم أوضاع الأطفال المنفصلين عن أسرهم، ويضع تحديات متزايدة أمام المنظمات الإنسانية، ما يستدعي تعزيز الاستجابة الدولية وتكثيف برامج الحماية والدعم النفسي والاجتماعي.
وبينما تواصل أحلام إسماعيل رعاية الطفلين في انتظار العثور على ذويهما، تبقى قصتهما واحدة من آلاف القصص التي تختزل معاناة جيل كامل، وجد نفسه في مواجهة تداعيات الحرب، دون حماية كافية أو أفق واضح للمستقبل.
إقرأ المزيد


