الخلاف السعودي-الإماراتي: مفاوضة صامتة على شكل الشرق الأوسط
لبنانون فايلز -

لم يكن نصّ ديفيد إغناتيوس في 12 شباط الأخير مجرّد توصيف لخلافٍ سعودي–إماراتي طارئ، بقدر ما بدا أقرب إلى رسالة تحذير صادرة من قلب المؤسسة الاستراتيجية الأميركية التي تعكسها مقالاته كثيرًا. أراد الكاتب أن يقول إن ما يجري بين الرياض وأبو ظبي لم يعد خلافًا تكتيكيًا يمكن احتواؤه، بل تحوّل إلى عامل إرباك محتمل لمشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط.

التحذير الأميركي: وحدة الخليج شرط لهندسة النظام الجديد

إغناتيوس، الذي يلتقط غالبًا نبض المقاربة الأمنية العميقة في واشنطن، يلفت إلى أن المشكلة لا تكمن في وجود تنافس خليجي -وهو أمر مألوف- بل في طبيعته وتوقيته. فالولايات المتحدة، وهي تدفع باتجاه هندسة نظام إقليمي جديد يقوم على احتواء إيران وتوسيع شبكة العلاقات العربية مع إسرائيل، تحتاج إلى جبهة متماسكة. لكن ما يتشكّل اليوم هو العكس تمامًا: تباعد بين قوتين شكّلتا خلال العقد الماضي عمودًا أساسيًا في مسار التحديث الإقليمي.

إسرائيل كخط فاصل: بين الاندماج السريع والتريّث الاستراتيجي

التحذير الأكثر دلالة في مقاله لم يكن عسكريًا أو اقتصاديًا، بل سياسيًا-هويّاتيًا: مهاجمة الإمارات بسبب علاقتها بإسرائيل "لعب بالنار". وهنا تحديدًا تكمن العقدة.

فالخلاف لم يعد يدور حول اليمن، ولا حول السودان أو الممرات الاقتصادية، بل حول سؤال أعمق: هل تكون إسرائيل جزءًا بنيويًا من منظومة الأمن الإقليمي؟

الإمارات أجابت مبكرًا بالإيجاب، واختارت موقع الشريك المندمج في النظام الذي تبلور بعد اتفاقيات أبراهام. أمّا السعودية، فبدت أقل استعدادًا للاندماج السريع، وأكثر ميلًا إلى إعادة التفاوض على شروط الدور والمكانة.

بمعنى آخر، لا تبدو السعودية بصدد مقارعة مع الولايات المتحدة، بقدر ما تحاول الانتقال من موقع التكيّف إلى موقع التفاوض: هي لا ترفض النظام الإقليمي الجديد، لكنها لا تريد الدخول إليه بالشروط نفسها التي دخلت بها أبو ظبي.

من النفوذ إلى الموقع: تحوّل العلاقة بين الرياض وأبو ظبي

هنا تحديدًا يتحوّل الخلاف من نزاع نفوذ إلى صراع موقع. فالعلاقة التي بدأت قبل سنوات بصيغة "الأخ الأكبر والأخ الأصغر" بين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، أخذت تتبدل مع تثبيت السلطة في الرياض. ومع صعود الثقة السعودية بالقدرة على صياغة مسار أكثر استقلالًا، لم يعد مقبولًا أن تمر هندسة التوازنات الإقليمية عبر وسيط أصغر، مهما بلغت قدراته. وفي المقابل، لا تبدو أبو ظبي مستعدة للتراجع عن موقعها كمركز مبكر للاندماج مع منظومة أمنية جديدة تتقاطع فيها المصالح الأميركية والإسرائيلية.

شبكة التوازنات: تركيا وباكستان في العمق السعودي

لكن التباعد الخليجي لا يُفهم إلا ضمن شبكة أوسع من التوازنات الآخذة بالتشكل.

ففي الخلفية، يتقاطع السعي السعودي لتوسيع هامش الحركة مع تقارب متدرّج مع أنقرة، لا يقوم على تحالف صلب بقدر ما يقوم على تقاطع مصالح يمتد من سوريا إلى القرن الأفريقي. ويكتسب هذا التقاطع بعدًا إضافيًا عبر باكستان، حيث يلتقي التعاون العسكري التقليدي مع ثقل ردعي ذي طابع نووي، ما يمنح الرياض عمقًا استراتيجيًا يتجاوز المنظومة الغربية من دون أن يخرج منها.

مصر الحذِرة وإيران المستفيدة من التصدّع

في المقابل، تبدو مصر حريصة على موقع مختلف: موقع الضامن للاستقرار لا اللاعب في الاستقطاب. فالقاهرة تميل إلى احتواء التباعد الخليجي بدل الانخراط فيه، إدراكًا منها أن أي تصدع في هذا المستوى يهدد توازنات البحر الأحمر وشرق المتوسط، ويضعف ركائز النظام العربي التقليدي.

أما إيران، فهي المستفيد البنيوي من أي خلل في الجبهة التي يُفترض أن تواجه نفوذها. فكلما تعثّر تشكّل محور عربي-إسرائيلي متماسك، اتسع هامش المناورة أمام طهران، سواء عبر إعادة التموضع الإقليمي وهو ما تسعى اليه، أو استثمار التباينات بين خصومها.

سوريا ولبنان: ارتدادات الصراع على المشرق

هذه التفاعلات لا تبقى محصورة في الخليج، بل تنعكس مباشرة على المشرق.

في سوريا، حيث يتشكل واقع ما بعد الأسد، سيحدد مسار التفاهم أو التباعد السعودي-الإماراتي شكل الانخراط العربي المقبل، بين مقاربة تميل إلى الاستقرار البراغماتي، وأخرى ترى في الساحة السورية امتدادًا لصراع النفوذ الإقليمي.

وفي لبنان، يظهر أثر هذا التباين في إعادة تموضع القوى السنية، لا سيما بعد خطاب سعد الحريري في ذكرى اغتيال والده، والذي قُرئ ضمن سياق إقليمي يتقاطع مع لحظة ما بعد حزب الله وسقوط النظام السوري.

الحريري وحياد اللحظة الخليجية

فالحريري، المصنّف إماراتيًا خلال سنوات إقامته في أبو ظبي، حرص على تبنّي ما يمكن وصفه بـ"حياد مبدئي" إزاء الصدع الخليجي، رافضًا أي شقاق عربي، ومؤكدًا انفتاحه على جميع العواصم. وفي الوقت نفسه، وجّه إشارات غير مباشرة إلى الرياض، تجمع بين الاعتراف بفضلها التاريخي والتمسك باستقلالية القرار، في مقاربة تصالحية لا تستجدي الدعم ولا تقطع معه.

هذا التموضع يعكس محاولة لبنانية لمواكبة التحولات الإقليمية من دون الانخراط في استقطاباتها، في لحظة تعيد فيها السعودية ترتيب أولوياتها، فيما تحافظ الإمارات على حضورها في الساحة اللبنانية عبر أدوات نفوذ غير تقليدية، بينها المجال الإعلامي.

الشرط الفلسطيني: جوهر المقاربة السعودية منذ 7 أكتوبر

في هذا السياق، لا يمكن فصل التمايز السعودي عن التحوّل الذي طرأ على أولوياتها منذ ما بعد 7 تشرين الأول. فالمقاربة التي تبلورت في الرياض لا تقوم على رفض النظام الإقليمي الجديد، بل على ربطه بشرط تأسيسي: وجود مسار واضح ومحسوم نحو قيام دولة فلسطينية.

هذا الشرط، الذي تراه المملكة مدخلًا لاستقرار مستدام لا لتسوية ظرفية، يصطدم حتى الآن برفض إسرائيلي صريح، في ظل اندفاعة حكومة بنيامين نتنياهو نحو تكريس وقائع ميدانية عبر تسارع مشاريع الضم في الضفة الغربية واستمرار العمليات العسكرية في غزة، بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار.

بين اندماج اللحظة وتسوية الاستقرار

من هنا، لا يبدو التريّث السعودي تجاه الاندماج السريع في منظومة إقليمية أمنية موجّهة ضد إيران أو غيرها تعبيرًا عن تباعد عن الغرب، بقدر ما يعكس محاولة لإدخال المسألة الفلسطينية في صلب معادلة إعادة تشكيل الإقليم، لا على هامشها.

فالرياض، بحكم موقعها وثقلها، لا ترى أن الاستقرار يمكن أن يُبنى على ترتيبات تتجاوز هذا الملف أو تؤجّله، بل على تسوية تضع حدًا لصراع طال أمده.

وعليه، قد لا يعكس الخلاف القائم انقسامًا بقدر ما هو تفاوض على شكل الاستقرار المقبل: بين اندفاع سريع تفرضه ضغوط اللحظة، ومقاربة أكثر تروّيًا تشترط تسوية أعمق تضمن استدامة النظام الجديد.

وفي لحظة كهذه، قد لا يكون المطلوب من القوة الإقليمية الأكبر أن تتقدّم أولًا، بل أن تحدّد الوجهة قبل الاندفاع…حتى لا يُبنى الاستقرار على توازنات قابلة للانهيار.

خلدون الشريف - المدن

The post الخلاف السعودي-الإماراتي: مفاوضة صامتة على شكل الشرق الأوسط appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.



إقرأ المزيد