لبنانون فايلز - 1/7/2026 6:19:13 AM - GMT (+2 )
كتب زياد عيتاني في اساس ميديا - في اجتماعات التحرير في موقع “أساس ميديا”، كان الناشر الوزير السابق نهاد المشنوق، وخلال النقاشات السياسية والتحريرية، حريصاً على توضيح ثابتة أساسية للزملاء في كيفية التعاطي مع السياسات الدولية والإقليمية. هذه الثابتة تقوم على التمييز بين الدول وفق تصنيفين واضحين: دول قرار ودول أدوار. دول القرار قليلة ومعدودة على أصابع اليد، وهي التي تمتلك القدرة الفعلية على صناعة القرار الدولي أو الإقليمي، وتحديد اتجاهاته ومساراته. في المقابل، هناك دول عديدة منتشرة على امتداد المعمورة لا يمكن تصنيفها ضمن دول القرار، بل تُدرج في خانة دول الدور، أي الدول التي تؤدي أدواراً محددة ضمن سلسلة من الأدوار الموزعة بين أكثر من دولة، وفق ما تقتضيه مصالح دول القرار وحدود الحركة المسموح بها.
كان الناشر يسهب في الشرح، معتبراً أنّ الخلل السياسي في العالم أو في الإقليم يحصل في لحظتين أساسيتين: الأولى عندما تسعى دول الأدوار إلى تجاوز حدودها ومحاولة صناعة القرار بدل الاكتفاء بأداء الدور المرسوم لها، والثانية عندما تصمت دول القرار عن تمادي دول الأدوار في أداء مهامها خارج الأطر المحددة، ما يؤدي إلى اختلالات سياسية وأمنية واسعة.
لماذا هذه المقدمة الآن؟
لأن ما حصل، وما يزال يحصل في اليمن، يشكّل نموذجاً عملياً واضحاً لهذه المعادلة السياسية.
عادت حضرموت والمهرة، بالأمس، وغداً ستلحق بهما أبين، إلى حضن الشرعية اليمنية والعربية، مع دخول قوات ردع الوطن إلى المعسكرات والمؤسسات الرسمية، بقيادة محافظ حضرموت سالم الخنبشي. تزامن ذلك مع انسحاب سريع لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، انسحاب يمكن تسجيله في كتاب الأرقام القياسية «غينيس» من حيث السرعة وحجم التراجع.
اليقين والتفكير
ليس مفاجئاً المنطق الحازم الذي تعاملت به قيادة المملكة العربية السعودية مع الحالة الشاذة في جنوب اليمن. المفاجئ، في المقابل، هو دخول كثيرين بحجم الحزم والإرادة والتصميم الذين رافقوا هذا التعاطي، وكأن هذا النهج لم يكن حاضرًا في تاريخ السياسة السعودية.
السلوك الذي اعتمدته المملكة في جنوب اليمن ليس جديداً، بل يندرج ضمن سياق تاريخي لرؤية سياسية استراتيجية سعودية تم اعتمادها في محطات مفصلية عدة، أبرزها:
1- رعاية ولادة اتفاق الطائف، المعروف بوثيقة الوفاق الوطني اللبناني، لوقف الحرب الأهلية اللبنانية ومنع تقسيم لبنان عام 1989.
2- الدور الأساسي الذي لعبته المملكة في تحرير دولة الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991.
3- الدور الحاسم الذي أدته السعودية في منع التدخل الخارجي في شؤون مملكة البحرين عام 2011.
4- التدخل الحازم في إطار معركة العزم وقيادة تحالف دعم الشرعية لمنع سلخ اليمن عن هويته العربية عام 2015.
5- الدور الحاسم والفاعل والثابت للمملكة في ملف الاعتراف بدولة فلسطين من قبل المجتمع الدولي عام 2025.
6- موقف المملكة من وحدة السودان وأراضيه في الأيام الأولى لعام 2026 والذي تجلى بالبيان السعودي المصري الذي أكّد عقب لقاء وزيري خارجية البلدين قبل أيام في القاهرة “أهمية مواصلة التنسيق في إطار الآلية الرباعية بشأن الوضع في السودان، بهدف الدفع نحو التوصل إلى هدنة إنسانية، وصولا لوقف شامل لإطلاق النار”، وشددا على “أهمية الحفاظ علي سيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه ودعم مؤسساته الوطنية”.
المملكة العربية السعودية
كما شدّد البيان المشترك الرفض التام لأي اجراءات أحادية تمس سيادة الصومال وبصفة خاصة الاعتراف الإسرائيلي بما يسمى (إقليم أرض الصومال)، باعتباره انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويقوض أسس السلم والأمن في تلك المنطقة الحيوية. وشدد الجانبان على الموقف المصري والسعودي الثابت الداعم لوحدة وسيادة وسلامة الأراضي الصومالية، ورفض أي محاولات لتقسيم الصومال أو الانتقاص من سيادته.
في جميع هذه المحطات، تصرفت المملكة وقيادتها بمنطق اليقين الاستراتيجي، في الوقت الذي كانت فيه أطراف أخرى، متعددة الأسماء والمشارب، تتعامل مع الأحداث وفق منطق التفكير التكتيكي المرحلي الذي تفرضه كل محطة على حدة.
منذ تأسيسها حتى يومنا هذا، تنطلق المملكة العربية السعودية في مقاربتها للقضايا الإقليمية والدولية من معادلة واحدة واضحة تتألف من عبارتين أساسيتين: الأمن والاستقرار.
لعل أبرز دلالة حديثة على هذا النهج ما نقلته وكالة الأنباء السعودية يوم أمس الاثنين عن تلقي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان اتصالاً هاتفياً من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، جرى خلاله استعراض العلاقات الثنائية بين البلدين، وبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية والمسائل ذات الاهتمام المشترك، إضافة إلى الجهود المبذولة تجاهها بما يحقق الأمن والاستقرار.
الأمن القومي لا يتجزأ
لم تتعامل المملكة العربية السعودية مع ملف حضرموت على أنه مجرد أزمة في دولة جارة تجمعها بالمملكة حدود مشتركة واسعة، بل تعاملت معه بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع الملفات السورية واللبنانية والأردنية، على أساس أنه جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.
الأمن القومي العربي لا يمكن تجزئته ولا يمكن حصره في ممر بحري أو أزمة سياسية عابرة، كانت المملكة واضحة عندما أكدت في عامي 2024 و2025 أنّ أمن الأردن خط أحمر، وعندما شددت في عام 2025 على أنّ قيام الدولة اللبنانية ومؤسساتها خط أحمر، وأنّ وحدة الصومال ليست مسألة قابلة للبحث أو التفاوض، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السودان ووحدته الجغرافية الواسعة.
بهذا المعنى، يصبح ما جرى في حضرموت والمهرة، وما سيتكرس في أبين، حلقة إضافية في سلسلة مقاربة سعودية ثابتة، ترى في استقرار الدول العربية ووحدتها جزءاً لا ينفصل عن أمن المنطقة بأكملها، وتؤكد مجدداً موقع المملكة كدولة قرار، لا كدولة دور.
The post دول القرار ودول الأدوار: اليمن نموذجاً appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.
إقرأ المزيد


