الزيدي في دمشق لأول مرة بعد سقوط الأسد… زيارة سياسية ورسائل دينية وتبرع بـ10 ملايين دولار
جنوبية -

وصل رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، الأربعاء، إلى العاصمة السورية دمشق، في أول زيارة لرئيس حكومة عراقي منذ سقوط حكم بشار الأسد أواخر عام 2024، في خطوة تعكس توجهاً نحو تعزيز العلاقات بين بغداد ودمشق، وفتح آفاق أوسع للتعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين.

واستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع الزيدي والوفد المرافق له في مطار دمشق الدولي، وفق ما أورده التلفزيون الرسمي السوري، فيما كانت قد أعلنت الرئاسة السورية أن الجانبين سيعقدان محادثات في القصر الرئاسي لبحث الملفات المشتركة.

من القصر الرئاسي إلى الجامع الأموي ومرقد السيدة زينب

وفي إطار زيارته، أجرى الزيدي جولة شملت الجامع الأموي ومرقد السيدة زينب في دمشق، في محطتين تحملان أبعاداً ثقافية ودينية، وتعكسان الروابط التاريخية بين البلدين.

وذكر المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي أن الزيدي زار الجامع الأموي برفقة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وأدى الصلاة في حرم الجامع، واطلع على معالمه التاريخية، كما دوّن كلمة في سجل الزوار عند قبة الخزنة في صحن الجامع.

كذلك زار مرقد السيدة زينب، حيث أدى مراسم الزيارة والصلاة داخل الصحن الشريف، واطلع على معالم المرقد.

وفي خطوة لافتة، أعلن مكتب رئيس الوزراء أن الزيدي تبرع بمبلغ 10 ملايين دولار من حسابه الشخصي، موزعة بالتساوي بين الموقعين، بواقع خمسة ملايين دولار لتلبية احتياجات مرقد السيدة زينب، وخمسة ملايين دولار للجامع الأموي.

ويُعد الجامع الأموي، المعروف أيضاً بجامع بني أمية الكبير، أحد أبرز المعالم الإسلامية التاريخية في العالم. وقد أمر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك ببنائه عام 705 ميلادية، واستغرق تشييده نحو عشر سنوات.

تقارب بعد مرحلة من الحذر

تأتي الزيارة في وقت تتجه فيه بغداد إلى توسيع علاقاتها مع دمشق، بعدما تعاملت بحذر مع الإدارة السورية الجديدة خلال الأشهر الأولى من حكمها.

ويرتبط البلدان بحدود تتجاوز 600 كيلومتر، فضلاً عن ملفات أمنية واقتصادية مشتركة، تجعل التنسيق بينهما محوراً أساسياً في المرحلة المقبلة.

وكان الزيدي والشرع قد التقيا في سبتمبر الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وفي مقابلة بثتها قناة «دجلة» العراقية مساء الثلاثاء، رحب الشرع بالزيارة، مؤكداً أن المصالح التي تجمع البلدين «متقدمة على أي سياسات مزاجية»، وأن الملفات المشتركة تشمل الجوانب الأمنية والاجتماعية والاقتصادية.

وأشار إلى أن العلاقات السورية العراقية شهدت تقدماً خلال السنة والنصف الماضية، ولا سيما في المجال الاقتصادي.

النفط على طاولة التعاون… وخط «حديثة–بانياس» يعود إلى الواجهة

يمثل النفط أحد أبرز الملفات الاقتصادية المطروحة بين البلدين، بعدما بدأ العراق أخيراً تصدير كميات محدودة من النفط عبر سوريا، إثر تعطل الملاحة في مضيق هرمز بسبب الحرب في الشرق الأوسط.

وفي يوليو الماضي، وقّعت سوريا والعراق مذكرة تفاهم لإحياء خط أنابيب «حديثة–بانياس»، الذي يتيح نقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط. كما وقعت دمشق مذكرة تفاهم مع ائتلاف يضم ثلاث شركات، من أبرزها شركة «شيفرون» الأميركية، لتنفيذ المشروع.

ويعود تاريخ الخط إلى عام 1952، لكنه خرج من الخدمة عام 2003، بعدما تعرض لأضرار إثر الغزو الأميركي للعراق. ومن شأن إعادة تشغيله توفير منفذ إضافي لتصدير النفط العراقي عبر الساحل السوري.

ملف داعش والمحتجزون السوريون

على الصعيد الأمني، يحضر ملف المحتجزين ضمن الاتصالات بين بغداد ودمشق، بعدما نقل الجيش الأميركي مطلع العام أكثر من 5700 مشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش من سوريا إلى العراق، بينهم أكثر من ثلاثة آلاف سوري.

وكان هؤلاء محتجزين في سجون الإدارة الذاتية الكردية، التي توصلت مطلع العام إلى اتفاق مع دمشق لدمج مؤسساتها ضمن الدولة السورية.

وقال الشرع إن اتصالات تجري مع بغداد بشأن المحتجزين السوريين، موضحاً أن بعضهم لا علاقة له بتنظيم داعش، وأن النقاش يتناول تصنيفهم إلى فئات تمهيداً للنظر في أوضاعهم.

وأضاف: «يجب على سوريا أن تتحمل مسؤولية هؤلاء الناس وألا تحيل هذا العبء إلى العراق».

ويعكس هذا الملف حجم التحديات الأمنية والقانونية التي تواجه البلدين، والحاجة إلى تنسيق مشترك بشأن مصير المحتجزين وآليات التعامل معهم.

أول زيارة لرئيس حكومة عراقي منذ سقوط الأسد

على الرغم من أن مسؤولين عراقيين، سياسيين واستخباراتيين وقضائيين، زاروا دمشق منذ سقوط الأسد، فإن زيارة الزيدي تُعد الأولى على مستوى رئيس الحكومة العراقية في هذه المرحلة.

وكانت دعوة الشرع إلى القمة العربية التي استضافتها بغداد العام الماضي قد أثارت جدلاً داخل العراق، على خلفية مذكرة توقيف قديمة بحقه تعود إلى فترة انخراطه في تنظيم القاعدة واعتقاله في العراق. ومثّل سوريا في القمة آنذاك وزير الخارجية أسعد الشيباني.

وتعيد زيارة الزيدي إلى الأذهان محطات سابقة من العلاقات العراقية السورية، إذ سبق لرئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي أن زار الجامع الأموي خلال زيارة رسمية إلى دمشق، حيث تجوّل في أرجائه واطلع على معالمه الأثرية ومقام النبي يحيى، والتقى القائمين عليه.

كما شهدت مراحل سابقة من التقارب بين البلدين زيارات بروتوكولية للجامع الأموي، الذي يمثل رمزاً تاريخياً لدمشق، في سياق العلاقات بين عاصمتي الخلافة الأموية والعباسية.

وبين المحادثات السياسية والملفات الأمنية والمشاريع الاقتصادية والزيارات الدينية، تفتح زيارة الزيدي فصلاً جديداً في العلاقات بين بغداد ودمشق، فيما يبقى الاختبار الأساسي في ترجمة التقارب إلى خطوات عملية تعزز التعاون وتحدد مسار العلاقة في المرحلة المقبلة.



إقرأ المزيد