وليد كمال بك جنبلاط… حينما يصبح التاريخ نداءً لإنقاذ لبنان
إرتكاز نيوز -

بقلم زياد موسى _ المدن

ليس وليد بك جنبلاط اسماً عابراً في تاريخ السياسة اللبنانية، ولا هو مجرد زعيم طائفة أو وريث بيت سياسي عريق. إنه ابن كمال جنبلاط، المفكر والسياسي الذي تجاوزت أفكاره حدود الجغرافيا والطوائف، وابن بيت نظيرة جنبلاط، صاحبة النظرة الثاقبة التي أدركت مبكراً أن حماية البيت الجنبلاطي لا تكون بالانكفاء، بل بفهم التحولات والاستعداد لما تخبئه الأيام. إنه ابن مدرسة سياسية عرفت كيف تعبر الحدود، وتفتح الأبواب، وتبني الجسور حين تصبح الجدران أعلى من قدرة الوطن على الاحتمال.

لقد نشأ وليد جنبلاط في قلب تاريخ لبناني مضطرب، وتولى قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي في مرحلة شديدة التعقيد، فكان شاهداً وصانعاً ومتأثراً بالتحولات الكبرى التي عصفت بلبنان والمنطقة. وعلى امتداد عقود، لم تكن تجربته مجرد مسيرة سياسية تقليدية، بل تجربة في قراءة موازين القوى، وتقدير اتجاه الرياح، والانتقال من موقع إلى آخر عندما تفرض الوقائع مراجعة الحسابات. وقد عرف كيف ينتقل من المواجهة إلى الحوار، ومن التشدد إلى التسوية، وكيف يلتقط اللحظة التي يصبح فيها التفاهم ضرورة لحماية ما يمكن حمايته. هذه هي السياسة في أحد أعمق معانيها: ليست التمسك بالمواقف إلى الأبد، ولا تحويل الخصومات إلى حروب مفتوحة، بل معرفة متى تكون المواجهة ضرورية ومتى يصبح التراجع المحسوب مدخلاً إلى إنقاذ الجميع. ومن هنا، فإن قيمة التجربة الجنبلاطية لا تُختصر في موقع نيابي أو حقيبة وزارية أو حجم كتلة سياسية، بل في القدرة على التواصل مع أطراف متناقضة، وقراءة التحولات قبل أن تتحول إلى وقائع مفروضة، والمساهمة في فتح أبواب التسويات عندما تبلغ الأزمات حدودها القصوى.

واليوم، يقف لبنان أمام مرحلة لا تشبه ما سبقها. فالمنطقة تعيش تحولات استراتيجية متسارعة، وإسرائيل تمضي في توسيع خياراتها العسكرية والسياسية، فيما تتراجع الضمانات التقليدية التي اعتاد اللبنانيون التعويل عليها. وفي ظل هذا المشهد، تبدو الدولة اللبنانية أمام اختبار يتجاوز الخلافات الداخلية المعتادة، ليطال مستقبل الكيان نفسه، وحدود قدرته على الصمود، وشروط بقائه وطناً لجميع أبنائه.

إن القول إن الخرائط تتغير ليس مبالغة أدبية، بل توصيف لمرحلة تعيد فيها القوى الكبرى رسم مناطق النفوذ، وتعيد فيها الحروب ترتيب الأولويات والتحالفات. أما الحديث عن «لبنان الجديد»، فينبغي ألا يُترك رهينة المشاريع الخارجية أو موازين القوة العسكرية، بل يجب أن يتحول إلى نقاش وطني حول الدولة التي يريدها اللبنانيون، والسيادة التي يستطيعون حمايتها، والصيغة التي تضمن ألا يتحول لبنان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. هنا تحديداً يمكن أن يستعيد وليد جنبلاط الدور الذي يتجاوز حدود التمثيل النيابي والوزاري. فثمة لحظات في تاريخ الدول يصبح فيها الموقع السياسي أقل أهمية من القدرة على التأثير، وتصبح قيمة الزعيم في شبكة علاقاته، وفيما راكمه من خبرة، وفي قدرته على مخاطبة الخصوم والحلفاء بلغة المصالح المتبادلة والمخاطر المشتركة.

إن المطلوب ليس ابتعاد جنبلاط عن السياسة، بل توسيع مداها؛ وليس التخلي عن الحضور الحزبي، بل استثمار الإرث السياسي في مهمة وطنية أشمل، تقوم على تقريب المسافات بين اللبنانيين، وإقناع القوى المتنازعة بأن المرحلة لا تحتمل المغامرات المفتوحة، وأن حماية لبنان تقتضي مراجعة الحسابات قبل أن تفرض الوقائع أثماناً لا يستطيع أحد تحملها.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مقاربة تقوم على دعم مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على استعادة قرار الحرب والسلم، وفتح مسار سياسي جدي يتيح احتواء حزب الله ضمن مشروع الدولة، بالتوازي مع معالجة الهواجس الأمنية والسياسية التي تجعل هذا الملف شديد التعقيد. فالمسألة لا تُحل بالشعارات ولا بالإقصاء، كما لا يمكن تجاوزها بتكريس ازدواجية القرار الوطني. إنها تحتاج إلى حوار واقعي، وضمانات متبادلة، وخطوات تدريجية تعيد بناء الثقة وتمنع الانزلاق إلى صدام داخلي قد يدفع اللبنانيون جميعاً ثمنه.

ومن هنا، تكتسب مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام المتعلقة ببناء الدولة وحماية الاستقرار أهمية في النقاش الوطني، باعتبار أن أي تسوية مستدامة لا بد أن تمر عبر المؤسسات الشرعية، وأن تعيد الاعتبار إلى وحدة القرار والسيادة. لكن نجاح هذا المسار لا يتوقف على السلطة وحدها؛ فهو يحتاج أيضاً إلى قوى سياسية تمتلك القدرة على التواصل مع بيئاتها المختلفة، وتفسير التحولات أمام جمهورها، وإقناع اللبنانيين بأن التسوية ليست استسلاماً، وأن التفاهم ليس هزيمة، وأن الدولة القوية ليست تهديداً لأي مكوّن، بل ضمانة للجميع.

وهنا يستطيع وليد جنبلاط أن يؤدي دوراً يتجاوز الحسابات التقليدية. فإرث البيت الجنبلاطي، بما حمله من انفتاح عربي وتواصل عابر للطوائف، يتيح له أن يكون جسراً بين القوى اللبنانية، وأن يساهم في بناء مساحة مشتركة بين الرئاسة والحكومة والقوى السياسية والاجتماعية، من دون أن يعني ذلك ذوبان الاختلافات أو إلغاء التعددية التي قام عليها لبنان.

إن العروبة التي ارتبطت تاريخياً بجزء أساسي من التراث السياسي الجنبلاطي ليست شعاراً للاستهلاك، بل رؤية تقوم على أن لبنان لا يستطيع الانفصال عن محيطه العربي، كما لا يستطيع أن يحيا في خصومة دائمة مع العالم. وهي عروبة تتيح له حماية استقلاله، وصون تعدديته، وبناء علاقات متوازنة مع الدول العربية، بعيداً عن تحويله إلى تابع لمحور أو منصة لمواجهة محور آخر.

ولا تقل أهمية عن ذلك ضرورة توظيف العلاقات الدولية والإقليمية في خدمة لبنان. فالتواصل مع الولايات المتحدة، والدول الأوروبية، والدول العربية المؤثرة، يجب أن ينطلق من هدف واضح: ممارسة الضغط الدبلوماسي والسياسي على إسرائيل لوقف الاعتداءات، واحترام سيادة لبنان، ومنع فرض وقائع ميدانية أو سياسية تنتقص من حق اللبنانيين في تقرير مستقبلهم. فالرهان على الخارج لا يكفي وحده، لكن تجاهل أدوات الضغط الخارجية في مواجهة اختلال كبير في موازين القوى ليس سياسة مكتملة أيضاً.

ومن هنا، فإن المطلوب هو الجمع بين وحدة الموقف الداخلي، وتفعيل الدبلوماسية اللبنانية، والاستفادة من العلاقات الدولية لزيادة كلفة استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وفتح الطريق أمام تسوية تحمي الحدود والسيادة وتعيد الاستقرار إلى الجنوب، وتتيح للنازحين العودة الآمنة، وللقرى المدمرة استعادة حياتها، وللدولة بسط سلطتها على كامل أراضيها.

أما الخطر الأكبر، فيكمن في أن ينشغل اللبنانيون بصراعاتهم الداخلية فيما تتبدل الوقائع من حولهم، وأن تتحول خلافاتهم إلى فرصة للآخرين كي يفرضوا عليهم تسويات لا يشاركون في صنعها. فحين تتقدم مشاريع القوة على حساب القانون، يصبح الانقسام الداخلي نقطة ضعف استراتيجية، ويصبح الحفاظ على السلم الأهلي شرطاً لبقاء الدولة، لا مجرد بند إضافي في خطاب سياسي.

ولا يمكن فصل هذا الخطر عن مصير القضية الفلسطينية. فاستمرار الحرب، ومحاولات فرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة، وتراجع فرص الحل السياسي العادل، كلها تطورات تضع المنطقة أمام احتمالات شديدة الخطورة. ومن هنا، فإن حماية لبنان ليست شأناً محلياً منعزلاً، بل جزء من معادلة إقليمية تتطلب التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني، ورفض التهجير والتصفية السياسية لقضيته، بالتوازي مع حماية لبنان من أن يدفع وحده أثمان صراعات أكبر من قدراته.

ولعل المرحلة الراهنة تستدعي من وليد جنبلاط أن يستحضر إرث كمال جنبلاط ونظيرة جنبلاط، لا بوصفه ذكرى عائلية، بل باعتباره مسؤولية سياسية وأخلاقية. فالأسماء الكبيرة لا تُقاس بما ورثته من تاريخ، بل بما تستطيع أن تضيفه إليه حين يشتد الخطر. والتجارب التي عرفت الحروب والانقسامات تكون أكثر قدرة على إدراك أن الانتصار الحقيقي ليس في كسر الخصم، بل في منع انهيار الوطن.

إن لبنان يحتاج اليوم إلى تسويات كبرى، لا إلى مساومات صغيرة؛ إلى شجاعة الاعتراف بأن موازين القوى تغيرت، لا إلى إنكار الوقائع؛ وإلى قيادة سياسية تعرف كيف تحوّل الخوف من المستقبل إلى فرصة لإعادة بناء الدولة. وقد يكون دور وليد جنبلاط في هذه المرحلة أن يفتح أبواباً أُغلقت، وأن يجمع أطرافاً فرّقتها الحسابات، وأن يدفع باتجاه تفاهم وطني يتيح للبنان أن يخاطب العالم من موقع الدولة، لا من موقع الساحة المستباحة.

فالتاريخ لا يمنح أحداً ضمانة دائمة، والبيوت السياسية العريقة لا تحميها أمجاد الماضي وحدها. لكن الخبرة المتراكمة، حين توضع في خدمة المصلحة الوطنية، تستطيع أن تصنع فارقاً في اللحظات المفصلية.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس عن الموقع الذي يشغله وليد جنبلاط، بل عن الدور الذي يمكن أن يؤديه. فبين إرث كمال جنبلاط، وبصيرة نظيرة جنبلاط، وتجربة وليد جنبلاط الطويلة في إدارة التحولات، ثمة فرصة للمساهمة في منع الانهيار، وصون السلم الأهلي، ودعم مسار الدولة، وفتح نافذة لتسوية تحمي لبنان من أن يصبح ضحية خرائط تُرسم فوق أرضه.

إن لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الأبطال في خطابات المواجهة، بقدر ما يحتاج إلى رجال يعرفون متى يتقدمون نحو التسوية لإنقاذ ما تبقى. وفي اللحظات التي يهدد فيها التوحش العسكري بتجاوز الحدود، وتتعرض فيها القضية الفلسطينية لمخاطر وجودية، يصبح الحفاظ على الكيان اللبناني مسؤولية تاريخية لا تحتمل التأجيل.

وليد جنبلاط أمام امتحان التاريخ: أن يحوّل إرثه السياسي إلى جسر عبور نحو تسوية وطنية كبرى، تحفظ لبنان، وتصون عروبته، وتمنع سقوطه في الفراغ الذي يسبق إعادة رسم الخرائط.



إقرأ المزيد