آيم-لبنانون - 9/7/2026 5:14:25 AM - GMT (+2 )
كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
لم يعد يمكن قراءة ما جرى في مرتفعات علي الطاهر انطلاقًا من كونه تطوّر ميداني في سياق المواجهة المفتوحة بين إسرائيل و”حزب الله”، بل تحول إلى محطة كاشفة لأزمة الحزب المتفاقمة داخل بيئته، وعلى المستويين الوطني والخارجي. فالسقوط السريع للمرتفعات، بعدما رُوّج لها طويلا باعتبارها موقعًا عصيًّا على الاحتلال، أعاد طرح السؤال الأكثر إحراجًا لـ”الحزب”، من يقرر في الملفات العسكرية المصيرية، القيادة اللبنانية أم القرار الإيراني؟ وما إذا كانت قيادة “الحزب” تمتلك فعلا هامشًا مستقلا لاتخاذ قراراتها، أم أن دورها بات أقرب إلى إدارة قرار يأتي من طهران، وتحديدًا من دوائر الحرس الثوري الإيراني؟.
وتكتسب المسألة دلالتها الأكبر عند العودة إلى حزيران الماضي، عندما هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخوض معركة للسيطرة على مرتفعات علي الطاهر. يومها، حصل اتصال بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، طرح خلاله عون أن يتسلّم الجيش اللبناني المرتفعات، في خطوة كان من شأنها أن تجنب المنطقة معركة جديدة وأن تضع موقعًا استراتيجيًا تحت سلطة الدولة اللبنانية. وبحسب المعطيات المؤكدة، تجاوب روبيو سريعًا مع الطرح اللبناني، وتمكن من الاستحصال على موافقة إسرائيلية على هذا المسار، قبل أن يبدأ التواصل مع “حزب الله” الذي رفض ومن دون أي مسوّغ منطقي ومقنع تسليم المرتفعات إلى الجيش.
هنا تكمن المفارقة التي يصعب تجاوزها، فبعد رفض “الحزب” تسليم الموقع إلى الجيش، بدأت ماكينة الخطاب السياسي والإعلامي المرتبط بإيران في لبنان بالترويج لمعادلة تقول إن علي الطاهر هو امتداد لمضيق هرمز، وإن إيران لن تبقى صامتة، وإن المرتفعات عصية على الاحتلال. لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا لهذا الخطاب بحيث سقطت المرتفعات بيد إسرائيل، التي أقامت فيها مواقع ثابتة تمهيدًا، وفق المعطيات الميدانية المتداولة، لتفخيخ الأنفاق وتدميرها، ومن دون أن تحرّك إيران ساكنًا أو حتى تعلن موقفًا ولو عرضيًا.
وهنا يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا رفض “حزب الله” تسليم علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، مفضلا أن تصل إليه إسرائيل وتحتله بالكامل؟ لا يبدو أن هناك تفسيرًا سياسيًا مقنعًا خارج معادلة السلاح والشرعية. فقبول “الحزب” بتسليم موقع استراتيجي للجيش في شمال الليطاني كان سيشكل إقرارًا عمليًا بانتهاء مرحلة ازدواجية القرار العسكري والأمني، وربما مقدمة لتسليم منشآت ومواقع أخرى تباعًا إلى الدولة. وهذا تحديدًا ما يبدو أن “الحزب” يريد تجنبه، بعدما تعرضت بنيته العسكرية في جنوب الليطاني لضربات إسرائيلية واسعة، وحولت الحرب أجزاء واسعة من مدن وبلدات وقرى الجنوب إلى مناطق مدمرة.
وفي هذه المعادلة، قد يصبح الاحتلال الإسرائيلي نفسه، وعلى نحو خارج المنطق والمصلحة اللبنانية العليا، ذريعة لاستمرار السلاح خارج الدولة. فكلما اتسعت رقعة الاحتلال، أمكن لـ”الحزب” الزعم إن “المقاومة” لا تزال ضرورية، فيما يؤدي رفض تسليم المواقع إلى الجيش عمليًّا إلى إضعاف الدولة وتعزيز الحجة الإسرائيلية في التوسع.
الأخطر أن المسار قد لا يتوقف عند علي الطاهر. فإذا استمرت المعادلة الحالية، فقد تتجه إسرائيل إلى استكمال السيطرة على مرتفعات استراتيجية وصولا إلى تومات جزين، بما يعيد إلى الذاكرة شريطًا جغرافيًا شبيهًا، من حيث الوظيفة الاستراتيجية، بما كان قائمًا قبل الانسحاب الإسرائيلي في 25 أيار 2000. ومن شأن ذلك أن يمنح إسرائيل أوراق ضغط إضافية على الدولة اللبنانية، ويهدد بمزيد من تدمير جبل عامل، فضلا عن خلق واقع جغرافي وعسكري يفصل الجنوب عن البقاع وبيروت عبر السيطرة النارية على المحاور الحيوية.
هذا السيناريو لم يعد يمكن تناوله كفرضية نظرية، بل مسارًا قابلا للتدرج ما دام القرار اللبناني عاجزًا عن فرض نفسه، وما دام “حزب الله” يرفض حسم خياره بين مشروع الدولة ومشروع السلاح. فاللحظة الفاصلة ليست في كيفية مواجهة إسرائيل عسكريًا فحسب، بل في أن يبدأ “الحزب” بالتعامل والتحدث بصفته مكونًا لبنانيًا، وأن يصبح القرار العسكري والأمني لبنانيًا حصرًا. وإلا فإن كل موقع يسقط خارج سلطة الدولة لن يكون خسارة ميدانية بحتة، بل خطوة إضافية في انهيار التوازن الوطني، وهزيمة مزدوجة يدفع ثمنها لبنان فيما يحتفظ الآخرون بأجنداتهم ومصالحهم حتى لو كانت خاتمتها الانتحار.
إقرأ المزيد


