“مسألة رجّي” على طريق الحل البطيء
آيم-لبنانون -

كتبت كلارا جحا في “نداء الوطن”:

ليس تفصيلا أن يغيب وزير الخارجية يوسف رجّي عن محطات تقع في صلب صلاحياته، ولا أن تُدار ملفات دبلوماسية من خارج وزارته. وحين تتكرّر الوقائع، لا يعود الغياب مصادفة، بل يصبح تهميشًا وإقصاءً، ويطرح سؤالا عن موقع وزارة الخارجية نفسها داخل دولة تقول إنها تريد استعادة مؤسساتها.

ومع ذلك، لم يفتح رجّي هذا الملف خلال اجتماعه برئيس الجمهورية جوزاف عون الأربعاء الماضي. فاللقاء، وفق مصادر مطّلعة، كان جيدًا، وتركّز البحث خلاله على ملف “اليونيفيل” ومرحلة ما بعد انتهاء مهمتها، من دون التطرّق إلى استبعاد الوزير عن لقاءات واستحقاقات يُفترض أن يكون شريكًا أساسيًّا فيها.

لكن الموضوع قيد المعالجة، ولو ببطء، في ظل مساعٍ لإعادة تثبيت دور وزارة الخارجية في الملفات التي تقع ضمن صلاحياتها.

من ملف السفير الإيراني بدأ التحوّل

مَن يعرف العلاقة السابقة بين عون ورجّي، يدرك أنها كانت ممتازة بحسب مصادر “نداء الوطن” التي أكدت أن قرار اعتبار السفير الإيراني محمد رضا شيباني شخصًا غير مرغوب فيه اتُخذ بالتنسيق المباشر بينهما. وتكشف هذه المصادر أن رئيس الجمهورية كان يريد اتّخاذ خطوة أشدّ تجاه السفير، قبل أن ينصحه رجّي باعتماد خطوات تصاعدية.

وتضيف المصادر أن الضغوط التي تعرّض لها عون على خلفية القرار، من “الثنائي الشيعي” وتحديدًا من رئيس مجلس النواب نبيه بري، ألقت بثقلها مباشرةً على علاقته برجّي، التي فَتُرَت بصورة مفاجئة. ومع بدء البحث عن مخرج لملف السفير الإيراني، جرى تحييد وزير الخارجية كليًّا واستبعاده من الطروحات المتداولة، فيما بقي رجّي ثابتًا على موقفه.

وتشير مصادر سياسية لـ”نداء الوطن” إلى أن بري دفع في اتجاه تحجيم دور رجّي، وهو ما انعكس في سلسلة محطات لم يُدعَ الوزير إلى المشاركة فيها، على الرغم من اتصالها المباشر بموقعه وصلاحياته، من المفاوضات مع إسرائيل وغيابه عن زيارة رئيس الجمهورية إلى واشنطن وتركيا واليونان، إلى عدم مشاركته في زيارة رئيس الحكومة نوّاف سلام إلى دمشق، وصولا إلى تكليف وزير الدفاع تمثيل رئيس الجمهورية في مؤتمر “حركة عدم الانحياز” في بلغراد، فيما بقي، رغم كل ذلك، التواصل بين عين التينة والخارجية قائمًا لأسباب عدّة.

وفي السياق نفسه، تحدثت مصادر أميركية لـ”نداء الوطن” عن إشكال وقع مع انطلاق المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، بعدما رفضت السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوّض، بصفتها مفوّضة مباشرة من رئيس الجمهورية، إرسال تقرير إلى رجّي عن المفاوضات، طالبةً منه مراجعة عون الذي أعطاها هذه التعليمات. كما أبلغ الرئيس رجّي شخصيًّا أنه يتولى هذا الملف بصورة مباشرة. إلّا أن مصادر معنية تؤكد أن هذا الأمر عولج مباشرةً، وأن وزير الخارجية يتلقى التقارير المتعلقة بالمفاوضات.

دولة المؤسسات لا تتجاوز خارجيتها

في المقابل، يحضر رجّي استحقاقين يصعب تجاوز موقعه فيهما: اجتماعات جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية الأحد والاثنين المقبلين، حيث يلقي كلمة لبنان، واجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ضمن الوفد الذي يترأسّه رئيس الحكومة نواف سلام ابتداءً من 22 أيلول.

مصادر سياسية استغربت استبعاد رجّي، واعتبرت في حديثها لـ”نداء الوطن” أن مَن يريد بناء دولة المؤسسات لا يستطيع تهميش وزارة الخارجية أو إدارة الدبلوماسية الرسمية من خارجها. فإقصاء وزير الخارجية، أيًّا يكن انتماؤه السياسي، ليس نقطة قوة للعهد أو للحكومة، بل نقطة ضعف للدولة. وسواء حصل عن قصد أو عن غير قصد، فإنه يضرب منطق المؤسسات ويصبّ في مصلحة تكريس الدويلة، وهذا بالفعل ما يسعى إليه “حزب الله”، وحتى الآن ينجح به.

وفي ظل تكرار هذه الوقائع، يُطرح السؤال عن موقف رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع من تهميش وزير محسوب على “القوات”. وتقول مصادر سياسية لـ”نداء الوطن” إن الجواب قد يأتي على لسان جعجع الأحد المقبل، في كلمته على هامش القداس السنوي لشهداء المقاومة اللبنانية في معراب.

أما الرهان على دفع رجّي إلى الاستقالة وفق معادلة “إحراجه لإخراجه”، ولا سيما مع تكرار الحديث عن تعديل حكومي قد يطاله، فتستبعده معلومات “نداء الوطن” كليًّا: لا رجّي ولا “القوات” في وارد الاستقالة وتقديم الخارجية على طبق من فضة لمحور الممانعة.

وتنفي المصادر أن تكون السعودية تضغط لمنع “القوات” من الردّ، مؤكدةً أن الرياض تدعو إلى توحيد الصف السياسي خلف رئيس الجمهورية دعمًا للتفاوض وتجنّب الخلافات في هذه المرحلة.

أما في الأروقة الأميركية، فتتّسع دائرة التساؤلات حيال أسباب تحييد رجّي عن عدد من الملفات والاستحقاقات، خصوصًا المفاوضات اللبنانيّة- الإسرائيليّة، فيما لا تخفي جهات أميركية لـ”نداء الوطن” استياءها من المخرج الذي اعتُمد في قضية السفير الإيراني، واصفةً إياه بـ”المسخرة”. في المقابل، ترى هذه الجهات أن تمسّك رجّي بموقفه عزّز رصيده لديها.



إقرأ المزيد