روما… مفاوضات ترسم مستقبل لبنان بين السيادة والاستقرار
إرتكاز نيوز -

كتب جو رحال في نداء الوطن: 

تتجه الأنظار إلى العاصمة الإيطالية روما، التي تستضيف الجولة الجديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة، في محطة يُنظر إليها باعتبارها الأكثر أهمية منذ سنوات، لأنها لا تبحث في وقف تصعيد موقت أو ترتيبات أمنية محدودة، بل تفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية، وترسيخ سيادة الدولة اللبنانية، وتحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ.

وتأتي هذه الجولة استكمالا للمسار الذي أطلقه الاتفاق الإطاري، والذي وضع إطارًا سياسيًا لمعالجة الملفات العالقة بين لبنان وإسرائيل بصورة تدريجية، من خلال البحث في آليات تنفيذ الالتزامات المتبادلة، وتعزيز الاستقرار، ومنع العودة إلى دوامة المواجهات. ومن المنتظر أن تتركز المباحثات على ملفات أساسية، أبرزها استكمال الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المتبقية، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، وتطوير آليات التنسيق والرقابة، بما ينسجم مع القرار الدولي 1701 والمرجعيات الدولية ذات الصلة.

ولا يحمل اختيار روما بعدًا لوجستيًا فحسب، بل يعكس أيضا رغبة في توسيع المظلة الدولية الداعمة لهذا المسار. فإيطاليا، بما تمثله من ثقل داخل قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان “اليونيفيل”، وبعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، تؤدي دورًا مكملا للجهد الأميركي الهادف إلى تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع ميداني مستدام، في وقت يزداد فيه الاهتمام الأوروبي باستقرار شرق المتوسط بوصفه جزءا من الأمن الإقليمي والدولي.

وبالنسبة إلى لبنان، تتجاوز أهمية هذه المفاوضات البعد الأمني المباشر، إذ ترتبط بمفهوم الدولة نفسها. فاستعادة السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية، وتعزيز حضور الجيش اللبناني، وترسيخ مبدأ احتكار الدولة لقرار الأمن والدفاع، تشكل جميعها ركائز أي تسوية قابلة للحياة. كما أن نجاح هذا المسار سيمنح الدولة فرصة لإعادة تثبيت حضورها في الجنوب، بما يعزز الثقة الداخلية والخارجية بمؤسساتها الدستورية.

وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذه الجولة باعتبارها فرصة للتوصل إلى ترتيبات أمنية تقلل احتمالات اندلاع مواجهة جديدة، وتوفر ضمانات لاستقرار الحدود على المدى الطويل. وبين الموقفين، تتحرك الولايات المتحدة بصفتها الراعي الرئيسي للمفاوضات، واضعة ثقلها السياسي والدبلوماسي خلف هذا المسار، انطلاقًا من قناعة بأن استقرار الجبهة اللبنانية يشكل عنصرًا أساسيًا في تثبيت الاستقرار الإقليمي.

ولا يمكن فصل هذه المفاوضات عن التحولات التي يشهدها لبنان داخليًا. فالعهد بقيادة الرئيس العماد جوزاف عون يضع استعادة سلطة الدولة وتعزيز حضور المؤسسات الشرعية في صلب أولوياته، انطلاقًا من قناعة بأن الأمن المستدام لا يتحقق إلا من خلال دولة قوية قادرة على ممارسة كامل صلاحياتها الدستورية على جميع أراضيها. ومن هذا المنطلق، تكتسب المفاوضات بعدًا سياديًا يتجاوز حدود الترتيبات العسكرية ليطال مستقبل الدولة اللبنانية ودورها.

كما يحمل نجاح هذا المسار انعكاسات اقتصادية لا تقل أهمية عن أبعاده السياسية. فاستقرار الجنوب يشكل شرطًا أساسيًا لإعادة إعمار المناطق المتضررة، وعودة السكان إلى بلداتهم، واستئناف النشاط الزراعي والتجاري والسياحي، فضلا عن تعزيز ثقة المستثمرين والدول المانحة بقدرة لبنان على توفير بيئة أكثر استقرارًا، وهو ما تحتاج إليه البلاد في ظل مسارها نحو التعافي الاقتصادي والإصلاح المالي.

إلا أن الطريق إلى النجاح لن يكون سهلا. فالتجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات لا تُقاس بجودة نصوصها، بل بقدرتها على الصمود أمام اختبار التنفيذ. فنجاح أي تفاهم يتطلب إرادة سياسية ثابتة، وآليات رقابة فعالة، والتزامًا متبادلا ببنوده، إضافة إلى استمرار الدعم الدولي لمنع أي انتكاسة تعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد.

وتكتسب جولة روما أهمية إضافية لأنها تأتي في مرحلة يعاد فيها رسم التوازنات الإقليمية، حيث تتزايد الجهود الدولية لتثبيت بؤر الاستقرار ومنع توسع النزاعات. وفي هذا السياق، تتحول الحدود اللبنانية – الإسرائيلية إلى اختبار حقيقي لقدرة الدبلوماسية على إنتاج حلول مستدامة، بعدما أثبتت سنوات الصراع أن القوة العسكرية وحدها لا توفر أمنًا دائمًا، وأن التسويات القابلة للحياة هي تلك التي تستند إلى احترام السيادة، والالتزام بالقانون الدولي، والمصالح المشتركة في الاستقرار.

في المحصلة، لا تمثل روما مجرد محطة تفاوضية جديدة، بل قد تكون بداية مرحلة مختلفة في تاريخ الجنوب اللبناني إذا نجحت في تحويل الالتزامات إلى خطوات عملية. فالرهان الحقيقي ليس على توقيع تفاهمات جديدة، بل على بناء واقع يكرس سيادة الدولة اللبنانية، ويثبت الأمن على جانبي الحدود، ويفتح الباب أمام مرحلة من الاستقرار والتنمية يحتاجها لبنان أكثر من أي وقت مضى. وبين نجاح هذا المسار وتعثره، يبقى الثابت أن الدبلوماسية، مهما كان طريقها طويلا وشاقًا، تظل أقل كلفة من الحروب، وأكثر قدرة على صناعة مستقبل يستحقه اللبنانيون.



إقرأ المزيد