آيم-لبنانون - 6/23/2026 5:43:22 AM - GMT (+2 )
كتبت فتات عيّاد في “نداء الوطن”:
ما زالت ترددات “نداء صور” ونداء النبطية” والحاجة لتفعيلهما، تتوسّع ضمن البيئة الجنوبية، ويكتسبان أهمية من كونهما يحملان طابع “الأهالي” أقله في بداية نشأتهما. فالنداءان ليسا تنظيمات سياسية، بل نداءات شملت توقيعات من ناشطين ومفكرين وفعاليات من المدينة، ومواطنين غير منخرطين بالسياسة، حريصين على مدينتهم. وهذا ما يكسر “أوطرة” حزب الله لـ”الأهالي” ضمن البيئة الشيعية بالمعنى الأحادي لبيئة موالية للحزب، لا حالات اعتراض فيها.
إلا أنّ المعارضة ضمن البيئة الشيعية لم تبدأ من اليوم. فماذا يقول مؤسسو نداء صور عن أهمية إعلان صور مدينة منزوعة السلاح؟ وهل من مساع لأوطرة النداء نحو حركة اعتراضية منظمة؟ وكيف يروي ناشطون معارضون، تجربة المعارض الفرد في البيئة الجنوبية؟
نداءا صور والنبطية
طالب الموقّعون على نداء صور في أيار الماضي، “الحكومة اللبنانية بإطلاق مبادرة دبلوماسية وسياسية عاجلة، عربية ودولية، لحماية مدينة صور التاريخية من التدمير والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة”، وطالبوا بـ”إعلان مدينة صور “مدينة مفتوحة” خالية من السلاح، بما يسمح بعودة أهلها إليها، وتأمين الحماية للنازحين والوافدين والمقيمين فيها.
وطالب “نداء النبطية” بدوره، بإطلاق مبادرة دبلوماسية وسياسية عاجلة لحماية النبطية وقضائها، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية، وإعلان النبطية ومحيطها “منطقة آمنة ومفتوحة” تحت سلطة الدولة، وتأمين ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية والطبية، حماية قلعة الشقيف وسائر المعالم التاريخية والتراثية، والسعي إلى فرض وقف إطلاق النار في النبطية والجنوب.
صور كمدينة تاريخية
الناشط السياسي حاتم حلاوي، وهو من أوائل من أطلقوا “نداء صور”، يتحدث عن محاولة “ناشطين ضمن قدراتهم، إحداث تغيير في صور، خصوصا أنها مدينة تاريخية على لائحة التراث العالمي، لها رمزيتها، إضافة إلى أنها غير موجودة على خطوط التماس، أي ليست منطقة عسكرية، وبالتالي، يمكننا التأثير لوضع الدولة وحزب الله تحت مسؤولياتهما في سبيل إعلانها منطقة خالية من السلاح، وهذا الإعلان لا يعني أن فيها سلاحًا، وإذا كان “حزب الله” يقول إن صور خالية من السلاح، إذا لا داعي لاعتراضه على هذا البند الأساسي في النداء.
في السياق، يقول حلاوي “لا معلومات جازمة لنا بأن هناك عمليات عسكرية أو سلاح في صور، بل إشاعات، ونحن لم نتطرق في بياننا إلى هذه التفاصيل، بل تعمدنا صياغة البيان بطريقة غير مستفزة، رغم ذلك اعتبروه مستفزًا وهاجموه”.
بيئة الحزب متعاطفة!
و”نداء صور” حصد كمًا هائلا من التعاطف اللبناني، ما أزعج “حزب الله”، فمدينة صور هي مكان يقصده كل جنوبي وكل لبناني، ورمزيتها التاريخية دوليًا ورقة قوة يعود النداء عليها، لتحييد المدينة.
اللافت أن عددًا كبيرًا من المتعاطفين جاء من بيئة “حزب الله” نفسها، وكانت المفاجأة أن عدة أشخاص من بيئة حزب الله، ممن عينوا تعيينات عبر الحزب من غير المنظمين فيه في قضاء صور، أضافوا أسماءهم، فيما هناك متعاطفون من بيئة الحزب لا قدرة لديهم على إعلان تأييدهم للنداء”، يكشف حلاوي.
وعن الذين “إنسحبوا” لاحقا وفق سياسة ما بات يُعرف بـ”ما قبل وما بعد السحسوح” التي ينتهجها حزب الله ضد معارضيه من البيئة الشيعية، يلفت حلاوي إلى أن “نسبتهم لا تذكر، بدلالة أنه من أول 80 اسمًا، انسحب فقط 8 أشخاص، ورسائل انسحابهم، أتت بصيغة موحدة، فكان انسحابًا ممنهجًا ومنظمًا، فيما مقابل هذه الإنسحابات، كان عدد أولاد صور الذين يطلبون منا زيادة أسمائهم يرتفع”، مستخلصا أن أهالي صور “تعبوا” وهناك طبقة متوسطة لا تطرق باب الزعيم، باتت غير قادرة على الصمود.
البناء على الحالة الإعتراضية…. ومسؤولية الدولة
وعن سبب انزعاج حزب الله من شعار “صور منزوعة السلاح”، يردّه حلاوي إلى الخوف من أن تنجح وتطبّق فكرة صور، وإذا استطعنا تحييدها قد تكون مفتاحًا لتعميم التجربة على مدن أو قرى أخرى جنوبًا، في حين أنّ الإستفزاز الأكبر للحزب، كان انضمام مجموعة كبيرة للنداء، وأخذه دعمًا وزخمًا كبيرين، فحزب الله معتاد على أفراد معارضين لا مجموعات كبيرة.
ومع تجديد وقف اطلاق النار، وعن إمكانية تطوير نداء صور، ليصبح تجربة إعتراضية يؤسس عليها، يقول حلاوي “هدفنا أن نبني على هذا النداء للتأسيس لحالة اعتراضية ضد الحرب”.
كلفة معارضة الحزب
سلطان الحسيني، ناشط سياسي في صور منذ ما قبل 17 تشرين 2019. في حديثه لـ”نداء الوطن”، يروي كيف “مر بعدة مراحل دفنت فيها الديموقراطية من قبل الثنائي الشيعي وخصوصًا في مناطق نفوذ “حزب الله” “.
وفي تفصيله لمرحلة ما قبل 17 ترين، يقول “كانت أي مشاركة في الفضاء السياسي، عبر السوشال ميديا أو غيرها، يقابلها إسكات المعارض السياسي بشتمه وجعله يشعر بخطر نبذه من قبل بيئته”.
بعد ثورة 17 تشرين، ارتفع منسوب آلية القمع والترهيب، يقول الحسيني “فالإحتجاجات في منطقة صور والمناطق الشيعية كان لها حضور وثقل وازنان، فكان الخروج عن الثنائي الشيعي واضحًا جدًا في الشارع، ما استلزم منهما التعامل بقسوة كبيرة جدًا مع المعارضين، بهدف ترويض البيئة عمومًا، وضمان منع زيادة الإعتراضات داخلها
الحسيني نشط بشكل أكبر بعد 17 تشرين، بعد دخوله إلى تنظيمات سياسية معارضة وعمله في انتخابات الجامعات والنقابات والانتخابات النيابية. يقول “عندما تصبح ناشطًا معارضًا بشكل تنظيمي أو حزبي، يصبح القمع أكبر: تعرضنا للنبذ والشتم، وأقل كلمة كانت تقال لي وأنا ماشي عالطريق… يا عميل”.
في مراحل لاحقة، تراجع منسوب الإعتراض، “ليستفرد الثنائي الشيعي وتحديدًا حزب الله بالحالات الاعتراضية، على صعيد كل بلدة، فكانت الشبكات العائلية وحدها كفيلة بممارسة الضغط لضمان إسكات أو إخضاع المعارضين”.
أما في فترتي حرب الإسناد الأولى والثانية، فتعرض الحسيني لحادثتين: الأولى حين كتب عبر السوشال ميديا عبارة “هذا ما جناه حزب الله”، يوم قصف بيت بجانب بيته، يقول “مع لومنا إسرائيل طبعًا، كان هناك لوم لمن فتح هذه الجبهة، وهو يعرف مآلاتها، ورغم الضرر الذي تعرضنا له وحقنا بالتعبير، تعرضت لهجوم ممنهج، فأرسلت صوري إلى غروبات لتشتمني، وبقيت فترة خارج منزلي لتخطي هذه المرحلة”.
أما الحادثة الثانية، فحصلت بعد شهر من حرب إسناد إيران. يقول حسيني “حاول شخص أن يستوقفني لدى عودتي إلى منزلي، وكنت أعرف رأيه بآرائي السياسية وبأنه ينوي لي الشر، فانتبهت لسلاح على خصره، وابتعدت عنه، فأطلق الرصاص باتجاهي 3 مرات”.
لم يقتصر الهجوم على ذلك، “فبعدها حصلت هجمة إلكترونية ممنهجة لتسخيف الإعتداء الذي تعرضت له، وجعل الناس تشك بمصداقيته”، وهنا انهال الضغط “فقاموا بإنتاج صورة لي عبر الـAI، ببدلة الجيش الاسرائيلي، وهددوا أهلي وعائلتي الكبيرة ولليوم ما زلت أعاني من ترددات ما حصل، ولا أستطيع النزول للجنوب والعودة لمنزلي”.
من هنا، يؤكد الحسيني أن “فكرة أن يكون شخص معارضًا لحزب الله ليست هواية فثمنها كبير جدًا، وقد يكون الثمن حياته، والمعارضة ليست محاولة لأن نكون استثنائيين ضمن بيئتنا، فكلفتها نبذ إجتماعي ممنهج قد يصل لاعتداء جسدي أو فقدان الشخص حياته”.
ما بعد إسناد إيران
وعلى الرغم من الكلفة الباهظة للمعارضة، فإن ما قبل حرب إسناد إيران ليس كما بعدها، فحزب الله الذي حكم أرض الجنوب كـ”دويلة” بعد التحرير، أعاد الجنوب اليوم لمرحلة ما قبل التحرير، وهدم عقودًا من البناء والإستقرار والسلم جنوبًا.
وهذا الهدم بدأ يطال البيئة الجنوبية المؤيدة للحزب، التي بدأت “تعلم” أن “حزب الله” باعها الوهم، وبأن حماية الأرض لا تكون بمعزل عن دولة تحمي الجنوبيين. وهذا التحدي إنما يبنى عليه لنقل حالات الإعتراض من “الإعتراض الفردي” إلى “الاعتراض الجماعي”.
إقرأ المزيد


