آيم-لبنانون - 1/29/2026 2:38:21 AM - GMT (+2 )
كتبت رماح هاشم في “نداء الوطن”:
لم يعد ملفّ رواتب القطاع العام عنوانًا للإصلاح بقدر ما تحوّل إلى نموذج صارخ للوعود المؤجَّلة. سنوات تمرّ، والأزمات تتراكم، فيما يُستحضر هذا الملف عند كل استحقاق سياسي أو مالي، ليُعاد تدويره بالكلام نفسه: دراسة قيد الإعداد، لجنة قيْد التشكيل، ومعالجة مؤجَّلة إلى وقت لاحق. أمّا النتيجة، فثابتة لا تتبدّل: موظفون يزدادون فقرًا، ورواتب فقدت قيمتها، ودولة تُجيد التسويف أكثر مما تُجيد القرار.
يبدو الموظف في القطاع العام وكأنه الطرف المنسي في معادلة تُدار بالأرقام لا بالحقوق، وبالاعتبارات السياسية لا بالعدالة الاجتماعية. تُربط الزيادات بالموازنة، ثم بالإصلاحات، ثم بمواقف الجهات الدولية، فيما يتآكل الحدّ الأدنى من مقوّمات العيش. وبهذا المعنى، لم تعد المشكلة في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة الفعلية لترجمة أي وعد إلى خطوة ملموسة تُنهي زمن الانتظار المفتوح على المجهول.
الخبير الاقتصادي وعضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في لبنان د. أنيس بو دياب، يُشير لـ “نداء الوطن”، إلى أنه في أعقاب آخر جلسة لمجلس الوزراء، تبيّن أن ملف الرواتب في القطاع العام لم يُدرج على جدول المعالجة الفورية، إذ جرى تأجيل البحث فيه إلى ما بعد إقرار الموازنة العامة. والتي بدأ المجلس النيابي مناقشتها حيث يُرجّح أن تُقر في نهاية الشهر الجاري”.
وهنا يرجّح بو دياب أنْ “يبدأ الدرس الفعلي لملفّ الرواتب بداية فصل الربيع. ويأتي هذا التأجيل في ظل ازدحام جدول الأعمال الحكومي بعدد من الملفات التي تُعدّ ذات أولوية في المرحلة الراهنة، ولا سيما تلك المتعلّقة بالمؤسسة العسكرية، إضافة إلى الاستحقاقات السياسية والدبلوماسية المقبلة، ومن بينها المؤتمر المزمع عقده في فرنسا مطلع شهر آذار، والمؤتمر التمهيدي المرتقب في أواسط شباط”.
وعليه، يرى أنه “يُمكن القول إنّ ملف رواتب القطاع العام يبقى حاضرًا في النقاش العام، إلا أن معالجته الفعلية تبدو مؤجّلة بانتظار استكمال المسار المالي والسياسي المطلوب”.
على مستوى الجهة التي تتولّى دراسة هذا الملف، يلفت بودياب إلى أنه “يجري العمل عليه حاليًا من أكثر من جهة رسمية، في إطار مقاربة متعدّدة الجوانب. وفي هذا السياق، كانت قد قُدّمت الأسبوع الماضي دراسة من قبل مجلس الخدمة المدنية، أُعدّت بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، ولا سيّما في ما يتعلّق بالشق المرتبط بأنظمة التقاعد ونهاية الخدمة”.
ويوضح أن “هذه الدراسة تندرج ضمن توجّه حكومي يسعى إلى معالجة ملف الرواتب في القطاع العام من زاوية أشمل، لا تقتصر على تحسين الأجور فحسب، بل تتناول أيضًا البعد الإصلاحي، بما يهدف إلى تعزيز القدرة الشرائية وتحسين الوضع المعيشي للموظفين، مع الحفاظ على التوازنات المالية وعدم المساس بالإيرادات العامة”.
كما تشمل المقاربة المطروحة، “إعادة النظر بنظام التقاعد المعتمد في لبنان، ليس من باب إلغائه، بل من خلال تحديثه وترشيده بما يتلاءم مع الواقعين المالي والاقتصادي الراهنين. ويُشار في هذا الإطار إلى أن هذا الطرح ليس جديدًا، إذ تعود الدراسات الأولى المتعلّقة بإعادة النظر في نظام التقاعد إلى أكثر من عشرين عامًا، إلا أن الظروف الحالية أعادت إحياء هذا النقاش في إطار إصلاحي أوسع”.
وفي ما يتعلّق بالمساعدات الاجتماعية، يشير بو دياب إلى أنه “يبرز موقف واضح لدى صندوق النقد الدولي يتمحور حول ضرورة الحفاظ على موازنة متوازنة في لبنان، بالتوازي مع إعادة النظر في بنية القطاع العام وهيكليته. وفي هذا السياق، يُطرح في الأوساط المالية كلام واسع عن وجود اختلالات في الإدارة العامة، حيث تُصرف رواتب وأجور لعدد من العاملين من دون إنتاجية فعلية”.
ويذكر بو دياب أن “أحد الوزراء أشار، إلى أن عدد العاملين في وزارته يبلغ نحو مئة موظف، في حين أن نصفهم فقط يداوم فعليًا، وهو نموذج يُستشهد به للدلالة على الخلل القائم في الأداء الإداري. وتتابع المؤسسات المالية الدولية، بما فيها صندوق النقد، هذه المعطيات عن كثب، لتخلص إلى أن أكثر من 50 في المئة من الموازنة اللبنانية تُنفق على الرواتب والأجور والمساعدات الاجتماعية، من دون أن يقابل ذلك مردود إنتاجي واضح، ما يطرح علامات استفهام جدّية حول فعالية هذا الإنفاق”.
يُضيف: “من هذا المنطلق، تطرح هذه الجهات تساؤلات أساسية حول كيفية تقديم الدعم المالي للبنان أو إعداد برنامج تمويلي معه، في ظل استمرار إنفاق الجزء الأكبر من الموازنة على كلفة تشغيلية ورواتب، من دون إصلاحات بنيوية تضمن تحسين الأداء والإنتاجية”.
في المقابل، يقول بو دياب: “تبرز لدى الحكومة رغبة معلنة في المضي قدمًا بإصلاح القطاع العام، عبر تحسين إنتاجيته، وإعادة النظر بسلسلة الرواتب والآليات المرتبطة بها، ضمن رؤية متكاملة لا تقوم على حلول ترقيعية ظرفية، بل على مقاربة إصلاحية شاملة. غير أن هذه الإصلاحات الجذرية، على أهميتها، تبقى مرتبطة بعامل الوقت، وتتطلّب مسارًا تدريجيًا ومدروسًا لضمان نجاحها واستدامتها”.
أمّا في ما يتعلّق بالجدول الزمني، فيوضح أن “المعطيات المتوافرة تشير إلى وجود توجّه مبدئي لمعالجة هذا الملف على مراحل. وكان رئيس الجمهورية قد التقى، قبيل الأعياد، الاتحاد العمالي العام وروابط العاملين في القطاع العام، حيث وعد بتشكيل لجنة تُعنى بدراسة آلية تصحيح الزيادات على الرواتب”.
في هذا الإطار، لا يستبعد بو دياب أن “يتم اللجوء إلى إجراءات سريعة ومحدودة، تتمثل بإقرار زيادات موقتة تعادل ما بين ثلاثة إلى أربعة رواتب، وذلك بالتزامن مع إقرار الموازنة، مستفيدين من إمكانية فتح اعتمادات إضافية من الاحتياطي لتغطية هذه الكلفة”.
إلّا أنه في المقابل، يلفت إلى أن “بعض الجوانب المرتبطة بالإصلاحات البنيوية تبقى بحاجة إلى مزيد من الوقت والدراسة، ما يجعل من الصعب تحديد جدول زمني واضح وشامل في المرحلة الراهنة. غير أن المعلومات الأولية تشير إلى أن النقاش الجدي حول إصلاحات القطاع العام قد يبدأ مع مطلع فصل الربيع، على أن يترافق ذلك، في المرحلة الانتقالية، مع احتمال إقرار بعض أشكال المساعدات الاجتماعية الموقتة”.
يؤكّد بو دياب أن “الحكومة تبقى المرجعية الأساسية في اتخاذ القرار النهائي المتعلّق برواتب وأجور العاملين في القطاع العام. أمّا في الحالات التي تستدعي تعديلًا في القوانين النافذة، أو إقرار سلسلة رواتب جديدة، فإن ذلك يقتضي سلوك المسار التشريعي عبر مجلس النواب”.
يضيف: “في المقابل، فإن القرارات المرتبطة بالتحسينات أو الزيادات على الرواتب، ضمن الأطر القانونية القائمة، تبقى من صلاحيات السلطة التنفيذية حصرًا، ولا تتطلّب بالضرورة تشريعًا جديدًا، ما يتيح للحكومة هامشًا للتحرّك في هذا الإطار وفق الإمكانات المتاحة”.
لا يغفل بو دياب أن ثمّة عاملًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه، يتمثل في “موقف صندوق النقد الدولي، الذي يُعدّ رأيه مؤثرًا في مقاربة ملف الرواتب والإنفاق العام. ووفق هذا المنظور، يعتبر الصندوق أن السياسة التقشفية التي تعتمدها الحكومة اللبنانية منذ تموز 2023 حتى اليوم أسهمت في تحقيق نوع من الانضباط المالي، وأدّت إلى تراكم فوائض نسبية في حسابات الدولة”.
ومن شأن هذا المسار، بحسب هذه المقاربة، أن “يدعم لاحقًا عملية إعادة الانتظام المالي، سواء على مستوى معالجة أزمة الودائع أو عبر تعزيز قدرة الدولة على دعم مصرف لبنان ضمن إطار إصلاحي أوسع. وفي المقابل، لا يُبدي الصندوق ولا الحكومة حماسة لزيادة الإنفاق الاستهلاكي، انطلاقًا من القلق من أن يؤدّي ذلك إلى ضغوط إضافية على العملة الوطنية، وانعكاسات سلبية على الاستقرار النقدي والقدرة الشرائية”، وفق ما يلفت بو دياب.
وعليه، يختم بو دياب بالقول: “تأتي السياسات المعتمدة اليوم في ظل تعثر مالي وسياسي عام، لتفرض قيودًا واضحة على هامش التحرّك في استخدام الأموال المتوافرة، ولا سيّما في ما يتعلّق بإقرار زيادات واسعة على الرواتب، ما يجعل أي خطوة في هذا الاتجاه خاضعة لتوازنات دقيقة بين المتطلبات الاجتماعية والاعتبارات المالية والنقدية”.
في المحصّلة، يتقدّم ملف رواتب القطاع العام بخطابٍ ثقيل ومشحون بالشروط، فيما يتراجع على أرض الواقع في لائحة الأولويات الفعلية. تُرفع شعارات الإصلاح وضبط الإنفاق، لكن من دون خريطة طريق واضحة تُنقذ الموظف من الانهيار البطيء، وتعيد الحدّ الأدنى من العدالة إلى العلاقة بين الدولة وموظفيها. هكذا، يبقى الإصلاح مؤجّلًا، والزيادات معلّقة، والقدرة الشرائية رهينة حسابات لا تنتهي.
إقرأ المزيد


