تعطيل مجالس العمل التحكيمية مُستمر: من الذي يُفرِّط بحقوق العمال؟
إرتكاز نيوز -

كتبت زينب حمود في الأخبار: 

عندما أصدرت الحكومة المرسوم 2106 في 17 كانون الأول الماضي، وعيّنت بموجبه ممثلين عن أصحاب العمل والأجراء في مجالس العمل التحكيمية، رحّب العمال والنقابات العمالية، على أمل عودة انتظام عمل المجالس، والبت بالقضايا العمالية، ووضع حدٍّ لتمادي أصحاب العمل في انتهاك حقوق العمال. لكن لم يمرّ الكثير من الوقت حتى أدركوا أن المرسوم وقبله التشكيلات القضائية، على أهميتهما، ليسا سوى «دعسة ناقصة» نحو تحقيق العدالة وحفظ حقوق العمال. والسبب عدم تعيين مفوضي الحكومة في المجالس، ما يحول دون إكمال انعقادها، إضافةً إلى عدم تحديد بدلِ حضورٍ للأعضاء، يُراعي الانهيار الاقتصادي.

ويذكر، في هذا السياق، أن السبب الرئيسي وراء تعطيل المجالس منذ عام 2023، هو إضراب مفوضي الحكومة احتجاجاً على انحدار قيمة بدلاتهم اليومية (تساوي 100 ألف ليرة)، مما يجعل أي خطوة نحو تفعيل المجالس قبل تصحيح بدلات الأتعاب «مثل قِلّتها».
في النتيجة، لا تزال مجالس العمل التحكيمية في شلل كامل، والدعاوى تتراكم. وعليه، سجل «الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين» اعتراضاً رسمياً لدى رئاسة الحكومة في 3 كانون الثاني الجاري ضدّ «الحلول الشكلية والمراسيم المنقوصة والمخالفة لأحكام قانون العمل ومبادئ العدالة العمالية». وحذر، في بيان، من «تصعيد نقابي وتنظيمي وشعبي دفاعاً عن العدالة العمالية، وعن الحقوق المشروعة للعمال والمستخدمين في لبنان». كما هدّد بـ«اللجوء إلى منظمة العمل الدولية»، وفقاً لرئيسه كاسترو عبد الله.

مشروع مرسوم للبدلات

في المقابل، يوضح مستشار وزير العمل فراس زعيتر، لـ«الأخبار»، أن «مفوضي الحكومة معيّنون بموجب مراسيم فردية وموزعون على المناطق والغرف، وحين يشغر مركز مفوض حكومة يجري تعيين مفوض جديد». أما تفعيل المجالس، فهو «مرتبط بصدور مرسوم زيادة تعويض الحضور المقطوع لرؤساء مجالس العمل التحكيمية ولممثلي أصحاب العمل والعمال ومفوضي الحكومة لديها». وفي هذا السياق، يلفت زعيتر إلى أن «وزير العمل محمد حيدر أعدّ مشروع مرسوم لهذا الغرض، وأرسله إلى وزارة العدل لاستكمال الإجراءات الإدارية المطلوبة في 30 كانون الأول الماضي». وتقول مصادر «الأخبار» في النقابات العمالية إن «البدلات اليومية التي حددها وزير العمل تساوي 3 ملايين و900 ألف ليرة»، غير أنه «لم يتضح لنا حتى الآن من الذي يعرقل إصدار المرسوم، ويفرط بحقوق العمال».

بالتوازي، أثار الاتحاد مع مجلس القضاء الأعلى الثغرات التي تشوب عمل المجالس، وأوصى بـ«تعميم الغرف على الأقضية، وتسريع البت في القضايا، ولا سيما التي تأتي من وزارة العمل وجرى النظر فيها، وتوسيع هامش الاجتهاد لدى القضاة استناداً إلى الاتفاقيات الدولية التي نصت على حقوق العمال ومعايير منظمة العمل الدولية». كما تطرق إلى الأعمال غير المدرجة في قانون العمل مثل الزراعة، الخدمة المنزلية وعمال ورش البناء… التي لا تنظر فيها مجالس العمل التحكيمية. ووفقاً لعبد الله، ردّ رئيس المجلس القاضي سهيل عبود بالتأييد عبر مذكرة خطية، لكنه أوضح أن المشكلة ليست عنده، وحلّها يحتاج إلى تشريعات.

غرفتان إضافيتان

عل صعيد متصل، يسجّل للحكومة رفع عدد غرف المجلس من 21 غرفة إلى 23، بعد إضافة غرفة في محافظة عكار وأخرى في بعلبك – الهرمل. لكن الإشكالية، في رأي الاستشاري القانوني والنقابي عصام ريدان، «ليست في عدد الغرف المستحدثة، وإنما بعدد الغرف العاملة فعلاً». فهناك غرف، على ما يقول، معطلة منذ سنوات، وهي «تستقبل الشكاوى وتسجلها، لكنها لا تلتئم للبت بها». وعن أسباب عدم تفعيلها، يقول عبد الله إن «بعض القضاة يستخفون بالقضايا العمالية ويرفضون استلام العمل في هذه المجالس، لأنهم يجدونها دون المستوى المهني».

وكما تبقى تجاوزات بعض القضاة خارج رقابة هيئة التفتيش القضائي، تبقى المجالس المغلقة لأسباب مختلفة خارج اهتمام الحكومة. مثلاً، عندما صدر قرار إخلاء مبنى قصر عدل بعبدا الثاني في 3 حزيران الماضي – والذي يتضمن مجلس عمل تحكيمي، لأنه مهدد بالسقوط ويشكل خطراً على السلامة العامة، توقفت الأعمال في المجلس، من دون أي خطة لإعادته إلى العمل. وتُركت آلاف الملفات (الشكاوى) في مكانها تحت خطر التلف.

حلول قانونية

على صعيد آخر، تنعقد مجالس العمل التحكيمية، بموجب قانون العمل، أربع مرّات في الشهر، ويتراجع عدد الجلسات إذا صودف موعد الجلسة مع يوم عطلة رسمية. ووفقاً لمتابعين، لا تكفي هذه الجلسات للنظر في مئات الشكاوى التي يسجلها العمال، بعد تعرّضهم للصرف التعسفي أو عدم التصريح عنهم في الضمان الاجتماعي أو عدم التصريح عن كامل الراتب الذي يتقاضونه… خصوصاً في ظلّ الأزمات المتلاحقة من الانهيار الاقتصادي، إلى انتشار جائحة «كورونا» والحجر الصحي، وانفجار مرفأ بيروت، وصولاً إلى العدوان الإسرائيلي المستمر. بسبب ذلك، كانت شكاوى العمال، حتى قبل اعتكاف القضاة والأزمات التي بدأت منذ عام 2019، تأخذ أشهراً طويلة للبتّ فيها، رغم أن المجالس هي قضاء عجلة، ويتوجب اتخاذ القرار فيها في ثلاثة أشهر.

لذا، قدم «اللقاء الوطني من أجل التعديل الشامل لقانون العمل اللبناني»، الذي يضم اتحادات نقابية وعمالية وجمعيات مدنية اقتراح قانون تعديل قانون العمل، بمبادرة من «المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين». ووصل الاقتراح إلى لجنة العمل والصحة والشؤون الاجتماعية النيابية لمناقشته. وينص المقترح، على «تشكيل 3 غرف لمجالس العمل التحكيمية على الأقل في كل محافظة، تراعي التوزع على الأقضية، بمعدل غرفة في كل قضاء». وللتصدي للتأخير الذي يحصل، يُوجب المقترح «أن يكون رئيس المحكمة قاضياً متفرغاً، لا يمكن انتدابه للمشاركة في هيئة محكمة أخرى، وأن يقدم مفوض الحكومة مطالعته ضمن مهلة لا تتجاوز الأسبوع، ويكون لكل غرفة موازنة خاصة من وزارة العدل لتأمين النفقات اللازمة»، مع التشديد على أنه «عند انتهاء ولاية هيئة مجلس العمل يستمر في عمله إلى حين تشكيل هيئة جديدة».



إقرأ المزيد