لبنانون فايلز - 7/1/2026 2:31:12 PM - GMT (+2 )
لا يمكن النظر إلى الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل على أنه مجرد تفاهم أمني أو ترتيبات لوقف التصعيد، بل يمثل تحولا سياسيا قد يعيد رسم طبيعة العلاقة بين البلدين للمرة الأولى منذ اتفاق الهدنة عام ١٩٤٩. فالوثيقة تضع هدفاً واضحاً يتمثل في التوصل إلى سلام شامل، وهو ما يجعلها تتجاوز منطق إدارة الصراع إلى محاولة إنهائه، وإن بقي الطريق إلى ذلك حافلا بالعقبات الداخلية والإقليمية.
ترى مصادر غربية أن جوهر الاتفاق يقوم على معادلة جديدة تربط بين استعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة والانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الأراضي اللبنانية. فإسرائيل لا تقدم انسحاباً غير مشروط، ولبنان لا يكتفي بالمطالبة بالسيادة، بل يصبح مطالبا بإثبات قدرته على فرض سلطة الدولة ونزع سلاح الجماعات المسلحة، وفي مقدمها "حزب الله"، لكون ذلك يشكل المدخل الأساسي لأي تقدم سياسي أو أمني.
وتعكس هذه المقاربة تحولا في التفكير الدولي تجاه لبنان، إذ لم يعد المطلوب احتواء الأزمة أو تجميدها، بل معالجة أحد جذورها الرئيسية المتمثلة في ازدواجية السلاح والقرار الأمني. لذلك لا يكتفي الاتفاق بالحديث عن جمع الأسلحة، بل يذهب إلى تفكيك البنية العسكرية واللوجيستية والمالية للجماعات المسلحة، مع استبعاد أي صيغة لدمجها داخل المؤسسة العسكرية اللبنانية.
دور محوري للجيش
في المقابل، يعطي الاتفاق الجيش اللبناني دوراً محورياً باعتباره الجهة الوحيدة المخولة بسط السلطة على كامل الأراضي اللبنانية. ويعتمد تنفيذ الالتزامات على مراحل تبدأ بمناطق تجريبية يتم فيها انتشار الجيش وانسحاب القوات الإسرائيلية بصورة متدرجة، على أن يتوسع التطبيق لاحقا ليشمل مختلف المناطق، في آلية تربط التقدم الأمني بالتقدم السياسي.
وتشدد المصادر على أن الاتفاق لا يقتصر على الجوانب العسكرية، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي عبر التزام الحكومة اللبنانية منع وصول الأموال إلى الجماعات المسلحة أو المؤسسات المرتبطة بها، بما في ذلك أموال إعادة الإعمار. ويعكس هذا البند إدراكاً بأن النفوذ العسكري لا ينفصل عن مصادر التمويل، وأن إضعاف القدرات المالية يشكل جزءاً أساسياً من أي محاولة لإعادة بناء سلطة الدولة.
وتلاحظ أيضاً أن الوثيقة تتبنى لغة غير مألوفة في الاتفاقات العربية - الإسرائيلية، إذ تربط بين أمن سكان الجنوب اللبناني وأمن البلدات الإسرائيلية الشمالية، وتعتبر استقرار الطرفين شرطاً متبادلاً لتحقيق السلام. وهذا الخطاب يهدف إلى بناء مصالح مشتركة تتجاوز منطق المواجهة التقليدية، رغم أن نجاحه يبقى مرهوناً بمدى قبول الرأي العام في البلدين بهذه المقاربة.
وفي الداخل اللبناني، يواجه الاتفاق تحدياً سياسياً كبيراً. فالقوى المؤيدة له تراه فرصة لاستعادة القرار السيادي وإنهاء مرحلة هيمنة السلاح خارج الدولة، بينما تقرأ فيه القوى المعارضة، وعلى رأسها "حزب الله" وحركة "أمل"، محاولة لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية بما يخدم المصالح الإسرائيلية والأميركية. لذلك يبدو الصراع الحقيقي اليوم سياسياً بقدر ما هو أمني، ويتعلق بمستقبل الدولة اللبنانية أكثر مما يتعلق فقط بالعلاقة مع إسرائيل.
رسالة إلى إيران
إقليمياً، تلاحظ أن الاتفاق يحمل رسالة واضحة إلى إيران، إذ يؤكد حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية ويرفض أي دور عسكري أو أمني لقوى تعمل خارج مؤسساتها. ومن هنا جاءت معارضة إيران وحلفائها في لبنان، إذ إن نجاح الاتفاق سيحد من النفوذ الذي راكمته طهران في الساحة اللبنانية مدى عقود.
وتقول المصادر إنه رغم أهمية الاتفاق، فإن نجاحه لا يزال رهينة عوامل عديدة، أبرزها قدرة الحكومة اللبنانية على تنفيذ التزامات طالما بقيت معلقة، واستعداد إسرائيل لتقديم خطوات تعزز الثقة، إضافة إلى استمرار الدعم الأميركي والدولي، ومنع القوى الرافضة من تحويل الاتفاق إلى ساحة مواجهة جديدة.
في النهاية، يفتح الاتفاق نافذة سياسية قد تكون الأهم منذ عقود أمام لبنان وإسرائيل، لكنه لا يضمن السلام بذاته. فبين النصوص المكتوبة والوقائع الميدانية مسافة طويلة، وسيكون نجاح التجربة مرهوناً بقدرة الأطراف على تحويل التعهدات إلى إجراءات عملية، وبإرادة سياسية تتجاوز حسابات الصراع التقليدي نحو بناء استقرار دائم في جنوب لبنان والمنطقة بأسرها.
"النهار"
إقرأ المزيد


