الأبيض تحت النار والعطش.. مدينة سودانية تبحث عن قطرة ماء
لبنانون فايلز -

تحت شمس حارقة وصفوف انتظار تمتد لعشرات الأمتار، يخوض سكان مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان غربي السودان، معركة يومية بحثاً عن قطرة ماء.

فمشاهد النساء والأطفال والشيوخ يحملون أوعية فارغة، ويقفون لساعات طويلة أمام نقاط توزيع المياه، في انتظار وصول تناكر قد تصل متأخرة أو لا تصل، باتت تشكل صورة تختصر حجم الأزمة الإنسانية التي تضرب المدينة، الواقعة على بُعد نحو 400 كيلومتر جنوب غربي العاصمة الخرطوم، وتُعد واحدة من أكبر مدن السودان ومركزاً اقتصادياً وتجارياً مهماً في إقليم كردفان.

غير أن تلك المدينة التي ظلت لعقود شرياناً حيوياً للمنطقة، تواجه اليوم أزمة خدمات غير مسبوقة، مع استمرار تداعيات الحرب وتراجع البنية الأساسية.

عطش يتصاعد مع انقطاع الكهرباء

وفي السياق، قال مواطنون لـ "العربية.نت/الحدث.نت" إن أزمة المياه ليست جديدة، لكنها بلغت خلال الفترة الأخيرة مستوى هو الأصعب من نوعه، خصوصاً بعد الانقطاع الكامل للكهرباء في مناطق ولاية شمال كردفان، الأمر الذي أدى إلى تعطل مصادر الإمداد المائي وزاد من صعوبة حصول المواطنين على احتياجاتهم الأساسية.

كما أوضحوا أن "تداعيات الأزمة لم تقتصر على انقطاع التيار الكهربائي، إذ أسهمت أزمة الوقود بدورها في تعميق المعاناة، بعدما تعطلت أعداد كبيرة من مولدات الكهرباء ومضخات المياه التي تعتمد عليها المدينة في تشغيل مصادر الإمداد البديلة".

لتتحول رحلة البحث عن المياه إلى معركة يومية بالنسبة لآلاف الأسر، خصوصاً النازحين الذين يعيشون في مراكز الإيواء والمخيمات على أطراف المدينة، حيث تتضاعف حاجتهم إلى المياه في ظل محدودية الموارد وتراجع الخدمات.

قصف يضاعف أزمة المياه

فيما أفادت مصادر رسمية، بإصابة خمسة أطفال إثر قصف قوات الدعم السريع بطائرة مسيرة محطات لمياه الشرب في الأبيض، إلى جانب استهداف شاحنة كانت تحمل مياه للشرب خلال الساعات الماضية.

في المقابل، أوضحت مصادر حكومية في ولاية شمال كردفان، في تصريحات صحفية، أن المدينة تعيش أزمة حادة في مياه الشرب عقب استهداف عدد من محطات المياه التي كانت تغذي الأبيض بنحو 8 آلاف متر مكعب يومياً، مشيراً إلى أن انقطاع الكهرباء بسبب القصف أدى إلى تعطيل معظم المضخات الجوفية.

التناكر والآبار.. حلول مؤقتة

وفي ظل ضعف الخدمات وغياب الحلول المستقرة، أصبحت خزانات "تناكر" المياه والآبار الخيار الوحيد أمام كثير من السكان لتأمين احتياجاتهم اليومية، بينما تحاول مبادرات إنسانية ومجتمعية سد جزء من الفجوة عبر توزيع المياه والتخفيف من آثار الأزمة.

لكن هذه الجهود، بحسب مواطنين، لا تزال أقل من حجم الاحتياجات المتزايدة، في وقت تتسع فيه دائرة المعاناة يوماً بعد آخر.

برميل الماء بسعر يفوق قدرة الأسر

هذا ولم تعد الأزمة مرتبطة بتوفر المياه فقط، بل أصبحت مرتبطة بالقدرة على شرائها أيضاً. فبحسب إفادات محلية، تراوح سعر برميل المياه بين 20 و24 ألف جنيه (أقل من 6 دولار أميركي)، وهو رقم يثقل كاهل أسر تعاني أصلاً من آثار الحرب وتدهور الوضع الاقتصادي. وقال مواطنون ل"العربية.نت/الحدث.نت" إن المياه، التي كانت من أبسط متطلبات الحياة، أصبحت عبئاً يومياً يستنزف الوقت والمال والجهد، بينما تتزايد المخاوف من استمرار الأزمة في ظل تعطل مصادر الإنتاج والإمداد.

طوابير المياه

فقد تحوّلت طوابير انتظار المياه إلى مشهد ثابت في مختلف أحياء المدينة، حيث يقضي المواطنون ساعات طويلة تحت حرارة الشمس في انتظار دورهم، وسط مخاوف من نفاد المياه قبل وصولها إلى الجميع.

بينما أكد مراقبون أن أزمة المياه في الأبيض باتت تمثل واحدة من أخطر تداعيات الحرب على حياة المدنيين، بعدما تزامن تراجع الكهرباء مع تدهور خدمات المياه والصحة، ما وضع السكان أمام تحديات يومية تتجاوز مجرد الحصول على الاحتياجات الأساسية.

فيما وثقت المشاهد والصور التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي بصورة غير مسبوقة خلال الأيام الماضية جانباً من الواقع القاسي الذي يعيشه سكان الأبيض، بعدما أظهرت طوابير طويلة من المواطنين وهم ينتظرون لساعات من أجل الحصول على كميات محدودة من المياه.

كما أثارت تلك الصور موجة واسعة من التفاعل والتعاطف، وحولت أزمة المياه في الأبيض إلى قضية رأي عام، بعدما كشفت عن حجم المعاناة التي يعيشها السكان في ظل استمرار الحرب وانهيار الخدمات.

العربية - خالد فتحي



إقرأ المزيد