لبنانون فايلز - 5/31/2026 11:01:57 PM - GMT (+2 )
حين يصبح قرار الحرب والسلم ورقة مساومة خارج حدود الدولة، وتتحول العاصمة إلى بند في بنك الأهداف، يغدو الوطن ساحةً لا سيادة فيها. هذا هو لبنان اليوم. إسرائيل تعيد رسم خرائط النار من الشقيف إلى صور، وواشنطن تكتفي بـ"ضبط الإيقاع" لا بوقف العزف، بينما تطارد الدولة وعدا أميركيا لم يأت بعد.
وينقل اجتماع نتنياهو الأمني، وما كشفته وسائل الاعلام في تل أبيب عن نقاش حول توسيع العمليات لتشمل بيروت، المواجهة من منطق الرد إلى هندسة الضغط. ذريعة "وجود مسؤولين في حزب الله نزحوا إلى العاصمة" ليست سوى غطاء لنقل المعركة إلى العمق السياسي والسكاني. تل أبيب تريد تفكيك معادلة الردع عبر ابتزاز بالنار: إما تنازلات كبرى، أو توسيع رقعة النار. رفع العلم الإسرائيلي على قلعة الشقيف، الموقع الأثري التابع لوزارة الثقافة، يحمل الرسالة نفسها. كما قال النائب حسن فضل الله، هو استفزاز "موجه ضد لبنان" ككل، لكنه يكشف أيضاً كيف يُستثمر الرمز السيادي لتبرير المواجهة، في غياب الدولة عن حماية رموزها.
وعلى وقع ما يحدث تشير مصادر مطلعة عبر "ليبانون فايلز" الى أن لبنان الرسمي بادر مطالبا واشنطن بالضغط للجم تل أبيب. الجواب جاء تحفظاً محسوباً: الإدارة الأميركية تقول إنها "منعت استهداف بيروت" حتى الآن، من دون أي تعهد بوقف التصعيد الشامل. المعادلة واضحة. واشنطن لا تريد وقف النار، بل إدارة وتيرتها. تمنح إسرائيل هامش مناورة جنوباً، وتحتفظ بورقة العاصمة كخط أحمر تفاوضي. هكذا يتحول لبنان من دولة ذات سيادة إلى ساحة مضبوطة الإيقاع. الدبلوماسية الفرنسية انتبهت للخطر ودعت إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن معتبرة أنه "لا شيء يبرر التوغل". لكنه قلق بلا أنياب أمام قدرة أميركية بلا رغبة.
هنا معادلة الردع تتحول تدريجياً إلى استنزاف وطني شامل. كل غارة جديدة تنحت من رصيد "الحماية" وتضيف إلى رصيد "الكلفة". حين تصبح القرى الجنوبية ركاماً والقلاع التاريخية ثكنات محتلة، يصبح السؤال وجودياً كما وصفه فضل الله: "مصير البلد كله في خطر"، لكن الخطر اليوم صار نتاج تعدد السلاح والقرار، لا الاحتلال وحده.
وسط هذا الفراغ، يطل رئيس المجلس نبيه بري ليطرح مفتاح الحل وعقدته في جملة واحدة: "أضمن التزاماً كاملاً وفورياً بوقف إطلاق النار من قبل المقاومة، لكن من يُلزم إسرائيل بوقف عدوانها؟". هنا جوهر الأزمة. المشكلة ليست في نية التهدئة، بل في غياب الضامن. الدولة تمتلك ورقة داخلية عبر بري، لكن الورقة بلا قيمة ما لم تتحول واشنطن من "ضابط إيقاع" إلى "لاعب رئيسي في كبح جماح تل أبيب". من دون ذلك، يبقى لبنان رهينة: حزب الله يقاتل بقراره، وإسرائيل تفرض وقائعها، والحكومة تُسائل العالم عن سيادة لا تملك أدواتها.
كل المؤشرات تقول إننا أمام صيف ساخن. استهداف بيروت أو مناطق الجبل يعني تفجير البيئات الرافضة لسياسة الحزب، ودفعها نحو "خيارات خطيرة" تربك ما تبقى من استقرار. إن لم تنجح الاتصالات اللبنانية في تحويل التحفظ الأميركي إلى التزام واضح، وفي استعادة الدولة لقرارها عبر تسوية تحيّد العاصمة، فإن الانفجار لن ينتظر الخريف. لبنان يقف على شفير هاوية، والفرق بين السقوط والنجاة يتوقف اليوم على سؤال واحد: هل تجد الدولة من يضمن بقاءها، قبل أن تتحول كلها إلى بنك أهداف؟
إقرأ المزيد


