الطائف المعلّق: من إنهاء الحرب إلى تعثّر الدولة
لبنانون فايلز -

منذ إقرار اتفاق الوفاق الوطني في الطائف في العام 1989، طُرح الاتفاق بوصفه دستوراً جديداً يتضمن إطاراً انتقالياً لإنهاء الحرب الأهلية وإعادة بناء الدولة اللبنانية. لكن مسار التطبيق أظهر أن الاتفاق لم يتحول إلى مشروع تأسيسي مكتمل، بل إلى صيغة لإدارة التوازنات السياسية والطائفية بعد الحرب. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تبدو الأزمة الأساسية مرتبطة ليس فقط بعدم تنفيذ بعض البنود، بل بتعثر الانتقال نفسه من نظام الحرب والتوازنات الطائفية إلى دولة مركزية تحتكر السيادة وقرار الحرب والسلم والسلاح.

القراءة السياسية التقليدية للطائف تختزل الاتفاق غالباً في إعادة توزيع الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث. واليوم تطرح إشكالية مسألة سلاح "حزب الله". إلا أن المقاربة الدستورية والمؤسساتية تُظهر أن الاتفاق كان يقوم على ثلاثة مستويات مترابطة: وقف الحرب، إعادة تنظيم السلطة داخل النظام، ثم إطلاق مسار تدريجي لإلغاء الطائفية السياسية وبناء مؤسسات دولة أكثر اندماجاً. ما حصل بعد عام 1990 هو تنفيذ شبه كامل للمستوى الأول، وتنفيذ جزئي وانتقائي للمستوى الثاني، فيما جُمّد المستوى الثالث بصورة شبه كاملة.

ما الذي نُفّذ من الطائف؟

على المستوى الدستوري، أُدخلت تعديلات جوهرية على النظام السياسي. فقد نُقلت السلطة التنفيذية عملياً إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، وتكرّست المناصفة بين المسلمين والمسيحيين داخل مجلس النواب، كما أُعيد تثبيت موقع رئاسة الحكومة من خلال الاستشارات النيابية الملزمة. هذه التعديلات شكّلت إعادة صياغة للتوازن داخل السلطة التنفيذية بعد الحرب.

لكن الطائف لم يكن مجرد اتفاق لإعادة توزيع الصلاحيات. فالنص المعدل للدستور تضمّن أيضاً تصوراً انتقالياً يقوم على الخروج التدريجي من النظام الطائفي. المادة 22 نصّت على إنشاء مجلس شيوخ بعد انتخاب مجلس نواب خارج القيد الطائفي، فيما تحدثت المادة 95 عن خطة مرحلية لإلغاء الطائفية السياسية عبر هيئة وطنية خاصة. كذلك نص الاتفاق على اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة وعلى إعادة بناء الإدارة العامة بصورة أكثر توازناً.

هذه البنود بقيت عملياً خارج التنفيذ. فلم يُنشأ مجلس الشيوخ، ولم تتحول الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية إلى مسار فعلي، كما بقيت اللامركزية محصورة بإطار بلدي محدود. وهذا يكشف أن ما تعطل هو جوهر المسار الانتقالي الذي كان يفترض أن ينقل لبنان تدريجياً من نظام تقاسم الطوائف إلى دولة مؤسسات أكثر مركزية.

البنود المعلّقة وبناء الدولة المؤجل

في المقابل، يُظهر المسار الأمني بعد الحرب طبيعة التطبيق الانتقائي للطائف. فالاتفاق نص بوضوح على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة خلال مهلة محددة. وقد جرى بالفعل تفكيك معظم التنظيمات المسلحة ودمج قسم من عناصرها في المؤسسات الرسمية. غير أن "حزب الله" بقي خارج هذا المسار تحت عنوان "المقاومة" ضد الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، وضمن تغطية سورية مباشرة آنذاك.

هذا الاستثناء أسّس لازدواجية بنيوية داخل الدولة اللبنانية: دولة تمتلك الشرعية الدستورية، إلى جانب قوة عسكرية حزبية تحتكر قرار الحرب والسلم.

تفسير هذا التعثر لا يرتبط فقط بالخلافات اللبنانية الداخلية، بل يتعداها ليشمل طبيعة النظام الذي نشأ بعد الحرب. فالوصاية السورية التي حكمت لبنان بعد 1990 استخدمت الطائف كإطار لإدارة التوازنات، كما حارب النظام السوري مسار بناء دولة مستقلة وقادرة. لذلك جرى تثبيت الصيغة السياسية والأمنية التي تسمح بإدارة النفوذ داخل النظام، فيما عُلّقت البنود التي يمكن أن تنتج تحولاً فعلياً في بنية السلطة.

في الوقت نفسه، استفادت النخب اللبنانية من هذا النموذج. فبدلاً من الانتقال نحو دولة مواطنة، توسعت بنية المحاصصة داخل الإدارة والاقتصاد والتمثيل السياسي. وبذلك تحوّل الطائف تدريجياً من مشروع إصلاحي انتقالي إلى آلية لإعادة إنتاج النظام الطائفي بصورة أكثر تنظيماً بعد الحرب.

العودة السعودية

ضمن هذا السياق، عاد الاتفاق إلى واجهة النقاش مع الحراك السعودي الأخير في بيروت. زيارة الأمير يزيد بن فرحان ولقاؤه الرؤساء الثلاثة وعدداً من القوى السياسية حملا دلالة تتجاوز البعد البروتوكولي، إذ أعادا التأكيد أن المملكة لا تزال تعتبر الطائف المرجعية الأساسية للاستقرار اللبناني، وترفض أي تعديل جذري في التوازنات الدستورية التي أرساها.

الموقف السعودي يركّز على ثلاثة عناصر مترابطة: حماية الاستقرار الداخلي، الحفاظ على التوازن المؤسساتي بين الرئاسات، والتأكيد على حصرية السلاح بيد الدولة. إلا أن هذا الطرح يصطدم بغياب توافق لبناني على معنى "تنفيذ الطائف" نفسه.

خلاف لبناني على معنى التطبيق

حزب الله لا يتعامل مع مسألة السلاح باعتبارها بنداً داخلياً منفصلاً، بل كجزء من معادلة إقليمية مرتبطة بالتوازنات الإيرانية ـ الأميركية في المنطقة. لذلك يرفض مقاربة تعتبر أن تطبيق الطائف يبدأ من نزع السلاح. وفي بيانه الأخير لمناسبة مئوية الدستور، اعتبر الحزب "إنّ التجربة اللبنانية أثبتت أن النظام الطائفي لم يعد قادرًا على إنتاج دولة عادلة وفاعلة ومستقرة. ولذلك فإن الوفاء الحقيقي للدستور لا يكون بتجميد نصوصه أو التعامل الانتقائي معها، بل بتطبيق الإصلاحات الدستورية التي أقرّها اتفاق الطائف كاملةً، من دون انتقاص أو اجتزاء أو توظيف سياسي. وفي طليعة هذه الإصلاحات يأتي الهدف الوطني الواضح الذي نص عليه الدستور: إلغاء الطائفية السياسية، بوصفه مدخلًا أساسيًا لتطوير العقد السياسي والاجتماعي، وضمان مشاركة عادلة وغير مجحفة لجميع اللبنانيين في إدارة وطنهم ومؤسساته".

لكن هذا الطرح يعيد إظهار التباين القائم حول معنى تنفيذ الطائف نفسه. فالحزب، وخصوصاً في المراحل التي يتعرض فيها لضغط سياسي أو داخلي متزايد، يعود غالباً إلى إبراز بند إلغاء الطائفية السياسية بوصفه جوهر الاتفاق ومركزه الإصلاحي. وتطرح هذه المقاربة إشكالية مرتبطة بطبيعة الانتقال نفسه الذي نص عليه الطائف. فالاتفاق لم يطرح إلغاء الطائفية السياسية كبند منفصل عن إعادة بناء الدولة، بل وضعه ضمن مسار متكامل يفترض وجود سلطة مركزية واحدة تحتكر أدوات القوة والسيادة وقرار الحرب والسلم.

وفي هذا السياق، يقول الزميل قاسم قصير لـِ "المدن" إن حزب الله في بيانه الأخير "يطالب بتطبيق اتفاق الطائف كاملاً، ويعتبر أن الاتفاق يشكل نصاً متكاملاً لا يجوز التعامل معه بصورة انتقائية". ويوضح أن "الحزب يركز على بند إنهاء الطائفية السياسية باعتباره جزءاً أساسياً من الإصلاحات التي نص عليها الاتفاق، لكنه في المقابل لا يتعامل مع مسألة سلاحه باعتبارها مسألة داخلية منفصلة، بل يربطها باستمرار الاحتلال الإسرائيلي وبطبيعة التهديدات القائمة". ويشير قصير إلى أن "الحزب يرى أيضاً أن اتفاق الطائف نفسه يؤكد مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي فإن مسألة السلاح، تبقى مرتبطة بهذا السياق ولا تُفصل عنه".

في المقابل، فإن قسماً أساسياً من القوى المسيحية، وفي مقدمها رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، لا يتحدث أيضاً عن تنفيذ كامل ومتزامن للاتفاق، بقدر ما يربط أي نقاش ببند واحد هو حصرية السلاح بيد الدولة. وهذا ما ظهر بوضوح في مواقف جعجع الأخيرة عندما اعتبر أن الأولوية تبدأ بنزع السلاح غير الشرعي، وبعدها يمكن البحث في بقية البنود الإصلاحية.

وهكذا، يتعامل كل طرف مع الاتفاق من زاوية مختلفة: الحزب يتمسك بالتوازنات السياسية التي نتجت بعد الحرب ويرفض المساس بالسلاح، فيما يركّز خصومه على السلاح ويؤجلون البنود الإصلاحية الأخرى، مثل مجلس الشيوخ أو إلغاء الطائفية السياسية أو إعادة بناء النظام الإداري.

لهذا السبب، تبدو أزمة الطائف اليوم أعمق من مجرد أزمة تنفيذ نصوص دستورية. إنها أزمة انتقال غير مكتمل من تسوية توقف الحرب إلى دولة تحتكر السلطة والسيادة بالكامل. فالاتفاق الذي كان يفترض أن يشكل مرحلة انتقالية نحو نظام سياسي جديد، توقف عملياً عند حدود إدارة التوازنات بين القوى الطائفية، من دون أن ينجح في إنتاج دولة تتجاوز هذه التوازنات.



إقرأ المزيد