لبنانون فايلز - 5/28/2026 5:22:17 AM - GMT (+2 )
"لا يَصلُحُ الناسُ فوضى لا سَراةَ لَهُم ولا سَراةَ إذا جُهّالُهُم سادوا
تُهدى الأُمورُ بأهلِ الرأيِ ما صَلُحَت فإن تَوَلَّتْ فبالأشرارِ تَنقادُ" (منسوب لعمر بن الخطاب)
ليس مطلوبًا من العدالة أن تكون عمياء، فتحكم من دون تبصر. من هنا فهي تحتاج للعينين والأذنين والعقل البصير، فليس كل الجرائم متشابهة، حتى وإن كانت نتائجها متشابهة. لكن الكارثة تحل عندما تصبح العدالة عوراء أو حولاء ترى الأمور بشكل جزئي أو مشوش.
كلما عاد الحديث عن قانون العفو العام في لبنان، يعود معه السؤال نفسه وهو ما هي الأسباب الموجبة الحقيقية لهذا القانون؟ هل الهدف معالجة أزمة إنسانية وقضائية تتعلق باكتظاظ السجون وتعثر المحاكمات؟ أم أن العفو تحول إلى أداة سياسية وطائفية تستخدمها القوى اللبنانية لتبادل المكاسب واسترضاء جمهورها الانتخابي؟ فمنذ سنوات، يتحرك ملف العفو العام داخل حلقة مفرغة فتُطرح مشاريع القوانين، ترتفع الأصوات الطائفية، تتدخل الحسابات السياسية، ثم يتعثر كل شيء أمام تضارب المصالح. وفي كل مرة يتبين أن القضية لم تعد مرتبطة بمفهوم العدالة أو الإصلاح القضائي، بل بتحويل القانون إلى سوق مفتوحة للمساومات بين الطوائف والأحزاب.
في الأصل، يمكن لأي دولة تواجه اكتظاظاً كارثياً في السجون وبطئاً مزمناً في القضاء أن تناقش فكرة العفو العام أو تخفيف العقوبات ضمن رؤية إصلاحية واضحة. السجون اللبنانية تعاني فعلاً من أوضاع مأساوية باكتظاظ هائل وتأخر في المحاكمات وموقوفون لسنوات من دون أحكام نهائية وضع إنساني متدهور وعجز رسمي عن تطوير البنية القضائية والسجنية. وهذه وحدها أسباب كافية لفتح نقاش جدي حول إصلاح العدالة الجنائية.لكن ما إن يدخل النقاش إلى الحياة السياسية اللبنانية حتى يفقد طابعه القانوني ويتحول إلى ملف هويات وانتماءات. فجأة تصبح كل طائفة معنية بفئة محددة من المطلوبين أو السجناء، وكل حزب يبحث عن "حصته" داخل العفو.
البعض يطرح ملف المبعدين إلى إسرائيل بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وآخرون يركزون على ما يسمى الموقوفين الإسلاميين، فيما تدخل شبكات المخدرات والجرائم المنظمة إلى قلب النقاش تحت عناوين مختلفة تتعلق بالمصالحة الاجتماعية أو الظروف الاقتصادية. وهكذا يتحول العفو من فكرة قانونية عامة إلى سلّة مليئة بالتناقضات السياسية والطائفية والأمنية. ضمن هذا المشهد، برز اسم الشيخ أحمد الأسير كالعقدة الأكثر حساسية داخل البيئة السنية. فبالنسبة إلى شريحة واسعة من جمهور الطائفة، أصبح إدخال الأسير ضمن أي عفو عام مطلباً سياسياً ورمزياً يتجاوز شخصه نفسه. فأنصار هذا الطرح يعتبرون أن الرجل دفع ثمن مواجهة سياسية وأمنية غير متكافئة، وأنه تحول إلى رمز لما يرونه اختلالاً في ميزان العدالة داخل لبنان. وفي المقابل، ترى جهات واسعة أن قضية الأسير مرتبطة مباشرة بأحداث عبرا الدامية وسقوط قتلى من الجيش اللبناني، وبالتالي لا يمكن التعامل معها كملف سياسي عادي أو كجزء من مساومة تشريعية.
لكن المفارقة التي تتجنبها الطبقة السياسية اللبنانية تكمن في مكان آخر تماماً. فحين يتحول أحمد الأسير إلى محور النقاش حول العدالة والعفو والمحاسبة، يغيب سؤال أكبر وأكثر حساسية وهو ماذا عن المسؤوليات السياسية والعسكرية المرتبطة بحروب وعمليات وقرارات اتخذها حزب الله وأدت إلى إدخال لبنان في مواجهات مدمرة أو إلى سقوط آلاف الضحايا اللبنانيين والسوريين والعرب؟ هنا يظهر اسم الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، بوصفه رمزاً لهذه المفارقة السياسية والقضائية. فالرجل يمثل قيادة تنظيم يمتلك ترسانة عسكرية مستقلة عن الدولة اللبنانية، وخاض حروباً داخلية وخارجية، وشارك في النزاع السوري، واتخذ قرارات استراتيجية تتجاوز مؤسسات الدولة اللبنانية نفسها. ومع ذلك، فإن مجرد الحديث عن التحقيق معه أو استدعائه قضائياً يبدو أقرب إلى الخيال السياسي.
صحيح أن بعض النواب قدموا دعاوى أو مواقف تطالب بالتحقيق مع شخصيات قيادية في حزب الله على خلفيات متعددة، لكن هذه الخطوات بقيت رمزية إلى حد بعيد. فلا القضاء اللبناني يملك القدرة السياسية أو الأمنية على الذهاب بعيداً في هذا المسار، ولا السلطة السياسية مستعدة لتحمل تداعيات مواجهة بهذا الحجم. وهنا تكمن المفارقة التي تثير غضب كثيرين داخل البيئة السنية خصوصاً وهي كيف يمكن للدولة أن تناقش إدخال أحمد الأسير في قانون عفو عام، بينما لا تجرؤ حتى على استدعاء شخصيات يعتبرون أن مسؤولياتها السياسية والعسكرية أكبر بأضعاف؟ المسألة هنا لا تتعلق بتبرئة الأسير أو إدانة نعيم قاسم، بل بازدواجية مفهوم العدالة داخل النظام اللبناني. فحين يشعر جزء من اللبنانيين أن القانون يُطبق على فئة ويتوقف أمام فئة أخرى، فإن الثقة بالدولة تنهار تدريجياً. وهذا بالضبط ما يجعل ملف العفو العام شديد الخطورة. فالقانون الذي يُفترض أن يكون استثناءً قانونياً محدوداً يتحول في لبنان إلى مرآة كاملة لاختلال ميزان القوى داخل النظام. العدالة لم تعد مرتبطة فقط بالنصوص القانونية، بل بحدود القدرة السياسية على تطبيقها.
ولذلك فإن كل نقاش حول العفو العام يتحول سريعاً إلى نقاش حول من يملك القوة داخل لبنان، لا حول من يستحق العفو أو المحاسبة. فالأحزاب المسيحية تخشى أن يتحول العفو إلى تبييض شامل لجرائم الإرهاب أو المخدرات. والقوى الشيعية ترفض أي مقاربة قد تُستخدم لاحقاً للمطالبة بمحاسبة عناصر أو قيادات مرتبطة بالمقاومة. والبيئة السنية ترى أن هناك انتقائية واضحة في تطبيق العدالة. أما الدولة نفسها فتقف عاجزة بين الجميع، تحاول إنتاج تسوية تمنع الانفجار السياسي والطائفي.
وفي العمق، تكشف هذه الأزمة مشكلة أعمق بكثير من مجرد قانون عفو وهي أن لبنان لم ينجح يوماً في بناء مفهوم موحد للعدالة الوطنية. فمنذ الحرب الأهلية، قامت التسويات السياسية على تجاوز المحاسبة لا على ترسيخها. قانون العفو الشهير سنة 1991 أنهى الحرب شكلياً، لكنه كرّس فكرة أن القوة السياسية والطائفية قادرة دائماً على تجاوز القضاء.ومنذ ذلك الوقت، تعيش الدولة اللبنانية داخل منطق العدالة الانتقائية. هناك ملفات تُفتح، وأخرى تُقفل، ليس وفق خطورة الجرائم بل وفق التوازنات السياسية والطائفية والإقليمية. لذلك فإن النقاش الحالي حول العفو العام لا يمكن فصله عن أزمة الدولة نفسها. فالدولة التي لا تستطيع فرض احتكارها للسلاح، ولا فرض استقلالية القضاء، ولا حماية مبدأ المساواة أمام القانون، تتحول تدريجياً إلى ساحة تفاوض بين القوى المتنازعة.
وفي هذا السياق، يصبح العفو العام مجرد أداة لإدارة الاختلال لا لمعالجته. كل طرف يريد استخدامه لتثبيت روايته السياسية أمام جمهوره، لا لبناء عدالة وطنية شاملة.والأخطر أن استمرار هذا النهج يهدد بتحويل فكرة العدالة نفسها إلى مفهوم طائفي. فبدلاً من أن يسأل اللبناني "ما هو الجرم وما هي العقوبة؟، يصبح السؤال "إلى أي طائفة ينتمي المتهم؟ ومن يحميه سياسياً؟" وعندها تفقد الدولة أحد أهم أسباب وجودها وهي المساواة القانونية بين المواطنين. لهذا تبدو معركة العفو العام في لبنان أكبر بكثير من مجرد قانون. إنها معركة حول طبيعة الدولة نفسها وهي هل أن دولة قانون قادرة على المحاسبة المتساوية؟ أم مجرد نظام تسويات يخضع فيه القضاء لموازين القوى السياسية والطائفية؟ حتى الآن، يبدو أن الجواب المؤلم يميل نحو الخيار الثاني.
مصطفى علّوش - المدن
إقرأ المزيد


