تزويج الطفلات مستمر في لبنان ولا قانون يردعه
التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني -

ناشد التجمع النسائي الديمقراطي، وغيره من الجمعيات والناشطين، ولعدّة سنوات، النواب من أجل إقرار قانون يمنع تزويج الطفلات. ضغط هؤلاء بكلّ السّبل الممكنة، محذّرين النواب من مغبّة الاستمرار بتشريع تزويج الطّفلات وما يتبعه من عنفٍ وأذىً للطفلة. تجاهل معظم النواب الأمر، ولم يتّخذوا الخطوات الضرورية لحماية الطفلة وحقوقها.

واليوم وبعد أن وقع الانهيار الإقتصادي، تتّجه نسب تزويج الطفلات للارتفاع، وفق ما قد حذّرت منه دراساتٌ أطلعَ التجمّع والجمعيات النوابَ والمعنيين على بعضها. وها هنّ الطفلات في لبنان اليوم عرضة لجريمة تزويجهنّ. لهذا الكمّ الهائل من العنف الذي يرفض المشرّع اللبناني حظره.

والأكثر فظاعة، أنه ورغم الوضع المعيشي الصعب، ورغم أن مسألة تزويج الطفلات عادة ما تأخذ منحى الإتجار بالبشر في ظروف كهذه، لم يعُدْ المشرّع اللبناني النظرَ بحساباته، ولم يبحث في تجريم تزويج الطفلات في الوقت الذي تظهر فيه دراساتٌ تؤكّد مخاوفَ الحقوقيين.

إذ تشير دراسة حديثة أعدّتها “جمعية مساواة _ وردة بطرس للعمل النسائي”، إلى أن نسبة التزويج المبكر قد ارتفعت في لبنان إلى أكثر من 13% بين الفتيات مقابل 3% بين الفتيان، في ظل الظروف الصحية والإقتصادية الضاغطة التي نعيشها. ومن المرجّح أن ترتفع هذه النسبة أكثر مع اشتداد الأزمة، ما يعني أنّ كلّ تأخير في إقرار قانون يجرّم تزويج الطّفلات، سيدفعُ باتّجاه تفشّي هذه الظاهرة أكثر فأكثر.

 

عز الدين: “هناك أمور أقوى منا”

في حديث إلى “شريكة ولكن” تشير رئيسة لجنة المرأة والطفل النيابية، عناية عز الدين، إلى أن “مجلس النواب لم يناقش في دورته الحالية أيّ اقتراح قانون يتعلّق بتحديد سن الزواج ومنع تزويج الطفلات”. وتدرك النائبة جيّدًا الارتباط بين ارتفاع نسب التزويج والأزمة الاقتصادية، لكنها تشير إلى “تدخل العامل الديني في المسألة”، معتبرةً أن “هناك أمور أقوى منا، فالنظام السياسي بأكمله خرب البلد. يتحجّجون بوجود الطوائف والأديان، لذا لن يسلك القانون بسهولة، وقد يشدّ العصب ضدنا”. كما تشير عز الدين إلى طريقة تعاطي بعض النواب مع النساء داخل البرلمان لدى طرح قضايا المرأة، وإلى تعليقاتهم التي تتطلب منهنّ الصلابة.

لكن عزّ الدين ترى بأن القوانين وحدها لا تكفي، وتعتبر أن ” الأمر يحتاج إلى معالجات اقتصادية واجتماعية، فحتى لو أقرّ قانون، هناك ناس سيقولون بأن لا شيء يمنع التزويج. ورغم أهمية المعالجات لمكافحة الظاهرة، لكنّ اقتراحات القوانين المقدّمة بهذا الشأن، تفرض معاقبة من يعقد القران”. وتضيف عز الدين “بذلك سيشكّل القانون رادعاً ينهي تزويج الطّفلات كظاهرة، وسيجد طريقة للتعامل مع المخالفين تضمن حق الطفلة”. وتركّز اليوم عز الدين على “اهتمامها على مشروع قانون يجرّم التحرش الجنسي، وتعتبر أنه بمجرد وضعه على السكة الصحيحة، ستتبعه القوانين الأخرى”.

 

يعقوبيان: “لا أمل بأن ينجز مجلس النواب شيئًا”

من جهتها، تابعت النائبة المستقيلة بولا يعقوبيان مسار طرح  اقتراح قانون يمنع تزويج الطفلات، على النواب ومن قلب المجلس، وما رافقه من نقاشات. وفق يعقوبيان “ما زال لبنان إلى اليوم عاجزًاعن تخطّي عقبة بعض الحجج المتعلقة بموروثات  دينية. “اكتشفنا خلال مناقشة مشروع القانون، أن حتى بعض الأحزاب التي تدعي العلمانية، عارضت الاقتراح. فهي أيضاً تراعي ميول قواعدها ولا تتبنّى القانون بسبب الدين. حتى أن من وعدوا بمساندة اقتراح القانون لم يفوا بوعودهم، ولم يكونوا جديّين، فالأحزاب كلها لا تعتبر قضايا المرأة أولوية، أولويتهم السياسة. دخلنا بالشعبوية على حساب الناس والأطفال والطفلات أكثر”، تقول يعقوبيان.

وعلى الرغم من موقف النواب القاتم، تشير النائبة المستقيلة إلى بعض الإيجابية، إذ نجحت حملات التوعية والضغط بتغيير مواقف بعض النواب من هذا الموضوع. لكنها لا تأمل من البرلمان أن ينجز شيئًا ولو صغيرًا لصالح المرأة والمواطن. “فلو شعرت ببقعة أمل بأن ينجز البرلمان ولو شيئًا صغيرًا للناس لما استقلت”. وتذكّر يعقوبيان النواب بأنّ مسؤوليتهم التشريع  لحياة افضل، وفق المعايير الدولية.

 

النواب يناقشون العفو عن المجرمين قبل حماية الطفلات

تحذّر المحامية منار زعيتر، من خطاب الأولويات الذي تفرضه السلطة. وترفض تجزئة المنطق الحقوقي. وتؤكد أن مهمة مجلس النواب الأولى والأخيرة هي التشريع، قائلة “فلا يمكنه عدم وضع أجندة  تشريعية وتأجيل القضايا بحجة الأولويات”. كما تؤكد زعيتر بأن “الأولويات يحددها أصحاب الحقوق، والأشخاص الذين يبنون دراسات ويقدمون أدلة وبراهين”.

وفيما تحاول السلطة إقناع المواطنين بأن قضايا المرأة ليست أولوية في ظل الانهيار الإقتصادي، وأن تجريم تزويج الطفلات يحتمل التأجيل، تلفت زعيتر إلى لعبة السلطة في هذا المجال، مشيرة إلى أن “خطاب السلطة لسنوات سبقت الأزمة الإقتصادية، لم يلتفت إلى قضايا النساء وحقوق الإنسان بوصفها أولوية”. وكدليل على عدم التزام مجلس النواب خلال التشريع بالأولويات الحقوقية، وعدم مراعاته الانتظام العام، تتحدث المحامية عن مناقشة المجلس لقانون العفو العام، وكأنه أولوية تتقدم على مسألة تجريم تزويج الطفلات. وبذلك يثبت مجلس النواب أنه ومن ضمن أولوياته البحث عن تخفيف العقوبات بحقّ المجرمين، بينما لا يرى بأنّه معنيٌّ بحماية الطفلات من جرم تزويجهن، بل يستمرّ بتشريع الجريمة.

 

هل من مدخل لحماية الطفلات في ظل رفض إقرار القانون؟

يطرح هذا السؤال بعد تأكيد من دفعوا باتجاه إقرار قانون يجرّم تزويج القاصرات، بأنّهم ووجِهوا بصدٍّ كبير وعناد، من قبل الأحزاب ورجال الدين. على الرّغم من أنهم قدّموا الأدلة والبراهين والشهادات والدراسات التي تثبت ضرر تزويج الطفلات، وكمّ العنف الذي يعرِّض الطفلة له في سنّ صغيرة.

وفي حين تطرح مسؤولية القضاء في حماية الأطفال وبالتالي منع تزويجهن، وقدرة القضاة، كل من موقعه، على استخدام سلطته الاستنسابية خدمة للصالح العام. لا ترى زعيتر بديلًا عن قانون يمنع تزويج الطفلات، أو حتى ما يسدّ شيئًا من الفجوة التي سبّبها رفض إقراره. “فقلّة قليلة جداً من القضاة الشرعيين المتنورين قد يبذلون جهدهم لإقناع الأهل بتأجيل الزواج، النصّ يسمح بالتزويج ونحن أمام مشكلة وجود نصّ واضح وصريح يبيح الأمر.  لذا ليس بالإمكان المراهنة على تدخلات القضاة. صحيح أن القضاة المدنيين يملكون صلاحيات استنسابية، لكن في قضايا الأحوال الشخصية لا يعد القاضي المدني مرجعاً”، تقول زعيتر.

وتلفت المحامية أنه “كان يمكن الرّهان على قضاة الأحداث، حيث شرح القاضي، فوزي خميس عندما كان قاضيًا للأحداث، كم يمكن لقانون حماية الأحداث أن يعطي هامشًا لقاضي الأحداث ليحمي الطفلة”. إذ رأى خميس أنه يمكن رفض تزويج الطفلة، انطلاقًا من اعتبار أن “تزويجها يضعها بوضعية تعرضها للخطر”. ويعتبر خميس أنه “يمكن القيام بذلك، لكن قانون حماية الأحداث، وكما قانون حماية النساء من العنف الأسري لا يسمح لقضاة الأحداث تخطي منطقة الأحوال الشخصي”، مُضيفًا “قد ينجح الأمر لدى التعامل مع عدد محدود من حالات التزويج. لكننا بحاجة لحلّ بنيوي يتخطى الاجتهادات. وقد حسمت هيئة القضايا بوزارة العدل أن تشريعات القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية، ليست حصرية بيد رجال الدين. من هنا مسؤولية النواب بوضع حدود للمؤسسات الدينية”.

تم إعداد هذه المطبوعات بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي. إن محتوياتها هي مسؤولية التجمّع النسائي الديمقراطي اللبناني لوحده، ولا تعكس بالضرورة آراء ومواقف الاتحاد الأوروبي

إقرأ المزيد