افتتاحية “البناء”: تجاذب رئاسيّ حارّ على البارد… والجمود الحكومي صار عبئاً على أطرافه
ان لبنانون -

سجلت مصادر سياسية متابعة للملف الحكومي برودة السجال الرئاسي الذي بدأ مع كلام رئيس الجمهورية عن الرئيس المكلف سعد الحريري واتهامه بتفصيل الحكومة على قياس مصالحه، وإخلاله بأصول التأليف وتوازنات الطوائف وصلاحيات الرئاسات، وصولاً لتسجيل استغرابه عدم مبادرة الرئيس المكلف للتحدث مع النائب جبران باسيل كرئيس لأكبر كتلة نيابية، ولسبب تمسك الحريري بالعدد السحري 18، بينما جاء رد الحريري مقتضباً، بالقول إن الرسالة وصلت، وقالت المصادر إن الرسالة هي مطالبة الحريري بلقاء باسيل، وإن الجواب عليها لا يزال عند الحريري سلبياً، رغم النصائح الخارجية والداخلية للحريري بضرورة الخروج من القطيعة مع باسيل، كتعبير عن كونه رئيساً لحكومة الجميع وانفتاحه على الكتل التي يطلب منها منح حكومته الثقة.

برودة السجال الرئاسي رغم سخونة المواقف، يأتي وفقاً للمصادر في مناخات جديدة، أهمها الحراك الدولي الغربي الذي لم يأخذ بالنصائح الفرنسية، التي عبر عنها بلغة متشددة وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان، الذي فشل في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في تسويق نظرية العقوبات الأوروبية، ليحل مكانها كلام أوروبي عن اتفاق الأحزاب السياسية على تفاهم سياسي يمنع الانهيار، ترجمته زيارة السفير البريطاني لرئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل بما فهم أنه إشارة تمهيدية لترتيب لقاء بين الحريري وباسيل، تقول المصادر إن الاتصالات الخارجية والداخلية تتركز على توفير قناعة لدى الحريري بضرورته، مقابل إقناع باسيل بحسم مسألة التخلي عن الثلث المعطل في التشكيلة الحكومية، باعتبار ذلك يشكل الطريق لفتح الباب أمام البحث في حكومة الـ24 وزيراً التي لا تزال في التداول.

المصادر قالت إن رئيس مجلس النواب نبيه بري متريث بالتحرك العملي بانتظار تبلغه معطيات تشير الى زوال العقبات من طريق النقاط التي تقوم عليها مبادرته، وجوهرها لا ثلث معطل ولا أكثرية لأي فريق منفرداً، لينصرف الى بلورة رؤيته لحل قضية حقيبتي الداخلية والعدل، والانتقال لطرح المبادرة على الطرفين، ووفقاً للمصادر ان هذه اللحظة لم تحن بعد.

ترى المصادر أن التشدد صار عبئاً على الطرفين الرئاسيين المعنيين بالملف الحكومي، وأن توازن قوى بات يحكمهما، يمنع خروج أحدهما منتصراً، ويفتح باب اللا غالب واللا مغلوب، وهذا يعني برأي المصادر أن اللحظة تقترب للتسوية، حيث لم يعد أحد متمسكاً لا في الداخل ولا في الخارج بصيغة حكومة اختصاصيين يتخذها الرئيس الحريري سبباً للامتناع عن فتح الحوار السياسي خصوصاً مع باسيل، لصالح الدعوة لحكومة كفوءة وفعالة تحظى بدعم الجميع، وتقول المصادر إن الكلام الفرنسي الذي قيل إنه يتضمن التلويح بالعقوبات تضمن عملياً تراجعاً عن مضمون المبادرة الفرنسية لجهة شكل الحكومة باستعمال تعابير جديدة فضفاضة، وقالت المصادر إن القوى الداخلية تبلغت مناخات خارجية ضاغطة لتسريع ولادة حكومة تسوية. وهذا هو النص الموحّد الذي استعمله النائب السابق وليد جنبلاط والسفيرة الأميركية دوروثي شيا، وآلية تشكيل الحكومة التي طرحها الحريري بتوليه حصرياً إعداد التشكيلة الحكومية وتحديد معاييرها عدداً ومواصفات، كان لافتاً كلام البطريرك الراعي عن قيام الرئيسين بوضع المعاييروالشراكة في طرح الأسماء ثم الاتفاق على التشكيلة النهائيّة.

في مجلس النواب أقرت سلفة 200 مليون دولار لشراء الفيول لكهرباء لبنان، بينما كانت العتمة تتسع لتشمل مناطق لبنانية عديدة، مع توقف معمل الزهراني بسبب نقص الفيول، بينما الباخرة المحملة بالفيول موضوع أخذ ورد في مطابقة مواصفاتها للمعايير التي تتناسب مع سعر الشراء، وتحدثت مصادر مالية عن تكرار ظاهرة الربط بين العتمة وتمرير قبول كمية الفيول بصورة مخالفة لمواصفات، بأسعار يشترط قبولها بالتزام المورد بالمواصفات، وقالت المصادر المالية إن لغة الصفقات والسمسرات تكمن في مثل هذه الألاعيب المتكررة.

لم يحمل بداية الأسبوع مؤشرات جديدة تشي بانفراج ما على الصعيد الحكومي، لا بل إن مواقف الساعات الأخيرة لا سيما التحذير الذي أطلقه رئيس المجلس النيابي نبيه بري والإشارات السلبية التي صدرت عن رئيس الجمهورية ميشال عون والرد التصعيديّ عليها من بيت الوسط، أوحت بأن الحلول ما زالت مقفلة والمسافة للوصول الى شاطئ الأمان لا زالت بعيدة، ما يؤشر إلى نوع من تسليم القوى السياسية كافة بالأمر الواقع وبأن لا حكومة في المدى المنظور.

وحذّرت مصادر مطلعة لـ«البناء» من جولة تصعيد جديدة في الشارع بانتظار لبنان وذلك بسبب تفاقم الأزمات المعيشية من ارتفاع سعر صرف الدولار الى سعر المحروقات والمواد الغذائية على أبواب شهر رمضان اضافة الى أزمة الكهرباء، حيث تعيش معظم المناطق اللبنانية ومن ضمنها العاصمة بيروت تقنيناً قاسياً بالتيار الكهربائي حيث وصلت التغذية في بعض المناطق الى ساعتين أو ثلاث، فيما أطفأت المولدات الكهربائية محركاتها بسبب نفاد مادة المازوت ما يهدد لبنان بعتمة شاملة وذلك بعد تعطّل معمل الزهراني»، مشيرة الى أن «الجمر تحت الرماد ونعيش في مرحلة الهدوء ما قبل العاصفة، والانفجار الاجتماعي آتٍ لا محالة لا سيما أننا على قاب قوسين أو ادنى من رفع الدعم أو ترشيده على أقل تقدير بسبب تقلص احتياط مصرف لبنان ما سيوضع المواطن بين خيارين إما رفع الدعم للحفاظ على ما تبقى من احتياط نقدي في المصرف المركزي على ان يعمد المركزي الى استخدام هذا الاحتياط للتدخل في سوق الصرف لتحقيق نوع من التوازن بين الليرة والدولار ولجم الارتفاعات المتتالية بسعره في السوق السوداء، وإما الخيار الثاني فهو الإبقاء على الدعم ونفاد الاحتياط الباقي وبالتالي ارتفاع اضافي بسعر صرف الدولار وحينها لم تعد سياسة الدعم مجدية بسبب تدهور القيمة الشرائية للرواتب بالليرة اللبنانية».

وإزاء هذا الواقع الذي باتت تفاصيله تتداول على ألسنة سفراء دول العالم، صرخة فرنسية جديدة أطلقها وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الذي كشف أنه «أبلغنا المسؤولين اللبنانيين بوجوب الإنهاء الفوري للتعطيل المتعمّد لتشكيل الحكومة». وتابع: «هناك تفكير على مستوى الاتحاد الأوروبي في تحديد سبل للضغط على المتسببين في التعطيل».

وفي سياق ذلك، نقلت مصادر لبنانيّة عن مسؤولين فرنسيين أن فرنسا تخشى من «ثورة» حقيقية في لبنان في حال استمرّ النزيف في الاقتصاد اللبناني لا سيما مع تكدس الازمات وعجز الدولة عن معالجة أزمة واحدة، الأمر الذي يؤثر على أمن واستقرار لبنان ووحدة اللبنانيين». وشددت المصادر لـ«البناء» على أن «فرنسا من أكثر الدول اهتماماً بلبنان وتعتبره ساحة اساسية لها في الشرق الاوسط ولن تتخلى عنه وستظل تعمل مع شركائها في الاتحاد الأوروبي والأميركيين والدول الخليجية على مساعدة لبنان وإنقاذه من الانهيار الكبير»، وأكدت المصادر أن «المبادرة الفرنسية مستمرة ولم تنته ولا تنتهي، لأنها المبادرة الوحيدة القائمة حالياً ولا بديل عنها فضلاً عن انها مدعومة من دول عدة إقليمية ودولية مؤثرة في الساحة اللبنانية». واستبعدت المصادر أن تذهب فرنسا والاتحاد الاوروبي الى فرض عقوبات مالية على شخصيات سياسية لبنانية كالرئيس سعد الحريري أو مقربين منه او على رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وغيرهما، لكن ربما تلجأ فرنسا ومعها الاتحاد الاوروبي الى تجميد أصول وأملاك والحسابات المالية لبعض السياسيين اللبنانيين في فرنسا وبلجيكا والمانيا وبريطانيا وغيرها ومن هؤلاء السياسيين فاعلون في تأليف الحكومة».

وبعدما اتهم رئيس الجمهورية الرئيس المكلف سعد الحريري بأنه يسعى الى إحراجه بصيغة حكومية تحقق مصالح الحريري على حساب الوطن وإخراجه من ممارسة صلاحياته الدستورية، رد الحريري على «تويتر» بالقول: «وصلت الرسالة، لا داعي للرد، نسأل الله الرأفة باللبنانيين». وأشارت أوساط سياسية في تيار المستقبل الى أن «الحريري يقصد عون بهذه التغريدة المقتضبة ولا يريد الدخول في سجالات إعلامية لا طائل منها». وأكدت الأوساط لـ»البناء» أن الحريري متمسك بالتكليف كحق دستوريّ ولن يتنازل عنه ولن يرضخ للشروط ويعتذر».

في المقابل جدّد الرئيس عون خلال استقباله وفداً من الاتحاد العمالي العام تمسّكه بـ «ضرورة وجود قناعة لدى المكلف تشكيل الحكومة بصعوبة الوصول الى حل في هذا المجال في حال اللجوء الى التأليف من قبل شخص واحد، فهناك عدة معايير تؤلف على اساسها الحكومة، لا سيما في ما خص توزيع التوازن، وهذا لا يحصل عبر احتكار شخص لعملية التأليف. علينا إيجاد حلول كي نعيد التوازن الى ما كان عليه، ويعود أصحاب الصلاحيات الى ممارسة صلاحياتهم».

وأمل رئيس الجمهورية في أن يتم «تشكيل حكومة جديدة بأسرع وقت ممكن». وقال «إن الارث المكون من التراكمات ثقيل جداً، وجميعنا يعلم أنه يتكوّن من مئات المليارات، إضافة الى مآسٍ أثرت بشكل مباشر على لبنان، تبدأ من الديون المتراكمة، ثم الحرب في سورية، إضافة الى الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت وصولاً الى جائحة كورونا العالمية، مع وجود نقص بإمكانية التعويض والإمساك بالاقتصاد الى حين تحسن الأوضاع». وتحدث رئيس الجمهورية عن صعوبة وضع معالجات سريعة لمختلف المشكلات خصوصاً أن «ذلك يتطلب إمكانيات نفتقدها، لا سيما المالية منها. وكشف أن العمل جار حالياً على تنفيذ خطة لترشيد الدعم، وستكون هناك بطاقة تموينية للذين يعانون من أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة».

وفيما بقيت أفكار عين التينة في سوق التداول بين العاملين على خط تأليف الحكومة، حذّر رئيس المجلس من أن «البلد كله بخطر اذا لم تتألف حكومة، وسنغرق كسفينة التايتانيك بالكل من دون استثناء». وعلق بري على طلب رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب تفسير القانون لجهة تصريف الأعمال بالقول: «هيدا حكي تركي»، وأضاف: «تاركين كل الشغل اللي عندهن ياه وجايين يقولولنا فسّروا الدستور. إذا كان المطلوب تغيير الدستور فهذا الأمر مش موجود بقاموسنا».

وفي السياق نفسه، رأت حركة أمل إثر اجتماع مكتبها السياسي أنه «آن الاوان لإخراج الموضوع الحكوميّ بكل تشابكاته: تأليفاً وتشكيلاً وتعطيلاً، من خانة المصالح الضيّقة ومربّع التوظيف الطائفي والمذهبي الذي اوصل لبنان إلى منزلقات قاتمة وخطيرة يستوجب تلافي انعكاساتها البِناء على المساعي المبذولة لتحريك مياه التشكيل الحكومي الراكدة عند حدود المطالب الضيقة والمصالح الشخصية ورفع وتيرة الخطاب السياسي بسجالات لا تؤلف حكومة ولا تنقذ وطناً يتهدّده الانهيار الذي لن يستثني احداً».

وأفادت وسائل اعلام أن «لقاء مطولاً جمع النائب علي حسن خليل موفداً من الرئيس بري برئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط يوم السبت الماضي في المختارة للبحث في المستجدات السياسية وتسهيل مهمة الرئيس المكلف للوصول الى تأليف حكومة». كما وأفادت أن «اللقاء لم يغير رأي جنبلاط الذي بدا مستعداً للتضحية حتى ولو على حساب الثلث المعطّل حفاظاً على التوافق الدرزي الداخلي وحل أزمة قبر شمون وربط النزاع برئاسة الجمهورية».

وأكد جنبلاط في حديث صحافي أمس، أن «هناك إمكانية لخلاص لبنان لكنها تتطلب جهداً داخلياً مشتركاً لأن هناك عدة وجهات نظر حول لبنان وليس هناك اتفاق أكثر من أي وقت مضى على أي لبنان لذلك هناك هذا التشابك المحلي والدولي».

وأضاف: في الماضي كان هناك إجماع عربي على لبنان وكان هناك استقرار عربي أما اليوم فهناك فوضى عربية ودولية وفقط فرنسا مهتمة للبنان لأسباب عاطفية، لأنها هي التي خلقت لبنان الكبير من مئة سنة».

وفي ظل التقنين الكهربائي المتصاعد بسبب إطفاء معمل الزهراني محركاته، عقدت في قصر الأونيسكو، جلسة عامة لمجلس النواب أقر المجلس خلالها إعطاء سلفة خزينة بقيمة 200 مليون دولار لمؤسسة كهرباء لبنان،، حيث اوضح النائب علي حسن خليل ان «مع تغير سعر الصرف قيمة السلفة الفعلية للكهرباء هو 3000 مليار ليرة وليس 300 مليار ليرة خاصة وانها ستدفع بالدولار من احتياطي البنك المركزي».

وخلال افتتاحه الجلسة، قال بري «بالنسبة للكهرباء، أنا الآن أتكلم باسم المجلس النيابي ككل، بغض النظر، نحن امام أمرين احلاهما مر إما لا سلفة ولا شيء، وسيقولون المجلس النيابي عتم البلد، واما سوف يصير هذا الامر. ولذلك أنا برأيي، حسنا فعلت اللجان المشتركة انها أنجزت هذا الموضوع بشكل مرن بأن يكون لشهر أو لشهر ونصف الشهر». وسجل حزبا القوات اللبنانية والاشتراكي اعتراضهما على إعطاء السلفة وصوّتا ضد القانون.

كما اقر المجلس قانون استعادة الاموال المنهوبة. واعترض عدد من النواب على هذا القانون من باب أن القضية ليست بسن القوانين بل بتنفيذها وعشرات القوانين أقرت ولم تنفذها الحكومة. فرد رئيس المجلس قائلاً «كان عنا إستاذ إسمو يوسف جبران يعلمنا كان يقلنا «على المحامي أن يربح الدعوى مرتين مرة عند صدور الحكم ومرة عند تنفيذه» والأمر نفسه ينطبق على الدولة والأفراد ولم نترك قانوناً متعلقاً بالفساد إلا وأقرّيناه ولكن نريد تطبيق القوانين».

كما أقر مجلس النواب من خارج جدول الأعمال مشروع قانون الاتفاق الصحي مع العراق.

ولفت رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان خلال الجلسة الى أن «على حكومة تصريف الأعمال لا إيقاف الأعمال وعليها الاجتماع استثنائياً لأخذ قرارات في الموازنة وترشيد الدعم لا تقاذف المسؤوليات والناس يدفعون الثمن».

واضاف «اقرار سلفة الكهرباء ضرورة كحل موقت والا سنكون امام العتمة واطفاء المستشفيات والمؤسسات».

على صعيد آخر، واصل المحقق العدلي في جريمة تفجير المرفأ القاضي طارق البيطار استجواب الموقوفين في القضية، فاستجوب المدير العام السابق للجمارك شفيق مرعي والمدير العام للجمارك بدري ضاهر بحضور وكيلي الدفاع عنهما ونقابة المحامين في بيروت كمدعية في الملف الى جانب ممثلين عن مدعين آخرين.

وفي خرق إسرائيلي جديد، أفادت معلومات أن «أحد رعاة الماشية عثر على طائرة «درون» معادية بين بوابة حسن وموقع رويسات العلم «الاسرائيلي» في مرتفعات ‎كفرشوبا، وسلمها إلى الجيش اللبناني».




إقرأ المزيد