سحب ورقة الهجوم
بتوقيت بيروت -

- Advertisement -

أحداث الأمس تسمح بالقول الآن بصورة صريحة ما كان يمكن فقط إعطاء إشارات عنه في الأيام الأخيرة، تحت ستار التعتيم الشديد الذي فرضته الرقابة العسكرية: الجيش الإسرائيلي بدأ بعملية واسعة للعثور على أنفاق هجومية حفرها حزب الله تحت الحدود اللبنانية وتدميرها.
هذه هي الخلفية الفورية للعصبية المتزايدة في الجبهة الشمالية في الأسابيع الأخيرة، وللقاء بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أول أمس في بروكسل ـ وكذلك للإشارات التي أطلقها نتنياهو قبل نحو أسبوعين عن حالة الطوارئ الأمنية التي استدعت حسب قوله بقاء البيت اليهودي في حكومته العرجاء.
في الخلفية، تتطور أيضاً حرب الجميع ضد الجميع في الساحة السياسية، التي تتضارب فيها المواقف فيما يتعلق بأهمية النشاطات ومغزاها، وتأتي، كالعادة، من المسألة الوحيدة ذات العلاقة: كيف ستنعكس هذه القضية على مكانة نتنياهو.
التعريف الطنان إلى درجة ما لـ «عملية» يأتي من حجم القوات التي أرسلت إلى الشمال خوفاً من التصعيد ومن التدخل المتزايد للمستوى السياسي وهيئة الأركان فيما يحدث هناك. ولكن رغم الاسم ذي الأهمية الرمزية الذي اختير للعملية «درع الشمال» فإن عمليات إسرائيل بعيدة عن التبشير بحرب. إسرائيل تعمل في أراضيها نشاطات دفاعية مشروعة من أجل إحباط إعدادات هجومية قام بها حزب الله من أجل عملية مستقبلية ضدها.
جميع الأعمال الهندسية تتم حتى الآن في الجانب الإسرائيلي للحدود، وهي تعالج خرق السيادة من قبل حزب الله الذي حفر أنفاقاً إلى داخل أراضي إسرائيل (الجيش الإسرائيلي لا يمتنع أيضاً عن القيام بخطوات ضد السيادة اللبنانية والسورية: «طائرات سلاح الجو هاجمت مئات المرات في السنوات الأخيرة الأراضي السورية وحلقت على الأغلب في سماء لبنان من أجل جمع المعلومات والتحذير».
العملية الإسرائيلية تسحب من حزب الله الآن ورقة هجومية هامة، كان أعدها من أجل استخدامها عند اندلاع حرب. هذا سيكون خيبة أمل عملياتية كبيرة من جانبه، ولكنها ليست سبباً لشن حرب الآن.

قصف الضاحية في الذاكرة

حسب التقديرات الإسرائيلية، فإن سكرتير عام حزب الله، حسن نصر الله، رغم تهديداته المتواصلة، غير معني بحرب، وهو بالذات الجهة الكابحة في عملية اتخاذ القرارات في طهران ودمشق وبيروت. إن قصف الضاحية في بيروت في حرب لبنان الثانية ما زال حتى الآن في ذاكرته، بالضبط مثلما تدرك إسرائيل الإمكانيات التدميرية الكامنة لعشرات آلاف الصواريخ والقذائف الموجودة بحوزة حزب الله.
الإعلان عن العملية أمس وضع الأزمة حول استقالة وزير الدفاع، افيغدور ليبرمان، من الحكومة في ضوء جديد. في خطابه الذي ألقاه في 18 تشرين الثاني/أكتوبر في أعقاب انسحاب ليبرمان ومطالبة نفتالي بينيت بالحصول على وزارة الدفاع، قال نتنياهو إن الدولة نتظر تحديات أمنية، وأضاف بأنه سيُطلب من الجمهور تقديم «تضحيات». ليبرمان استخف بهذه الأقوال، أما وزراء البيت اليهودي الذين قرروا غداة ذلك اليوم البقاء في الحكومة، فلم يقتنعوا بأن الأمر يتعلق بخطر حرب.
هل تعد «درع الشمال» عملية «سافتا» أو عملية «عنتيبة»؟ ليس هذه أو تلك، كما يبدو. ولكن منذ صباح أمس قام شخص ما بتقديم توجيه للمراسلين عن أحداث الأشهر الأخيرة. حسب هذه الرواية هناك علاقة وثيقة بين التطورات الأخيرة في قطاع غزة والشمال. نتنياهو ورئيس الأركان غادي آيزنكوت، قيل، قاما بتضخيم تهديد الأنفاق في لبنان وقاما باستخدامه من أجل تأجيل عملية ضرورية في غزة.
من فحص قامت به «هآرتس» مع عدد من المطلعين على الأمر، يتبين أن الكابنت وعدداً من الجهات الأخرى، حصلوا على آخر المستجدات بشأن الأنفاق في الشمال خلال الأشهر الأخيرة. في 7 تشرين الثاني/أكتوبر تم طرح النشاط الهندسي على الحدود الشمالية في نقاش في الكابنت وتم طرحه للتصويت عليها مع معارضة وزير واحد هو ليبرمان. وزير الدفاع اعتقد أن العملية في الشمال غير ملحة وأن عملية برية في غزة أكثر أهمية. أيضاً في هيئة الأركان كان هناك جنرالات تحفظوا من عملية بسبب الخوف من التداعيات المحتملة.

الجيش الإسرائيلي شرع في حملة واسعة لهدم أنفاق حزب الله

العملية الهندسية في الشمال كان يمكن أن تبدأ بعد أسبوع. ولكن في ليل 11 تشرين الثاني/أكتوبر تشوشت عملية القوة الخاصة للجيش الإسرائيلي قرب خانيونس والتي قتل فيها ضابط إسرائيلي، المقدم م. في اليوم التالي رد الفلسطينيون بإطلاق نحو 500 صاروخ وقذيفة. وفي 13 تشرين الثاني اجتمع الكابنت في جلسة دراماتيكية تقرر فيها الموافقة على جهود مصر لتحقيق تسوية لوقف إطلاق النار والعودة إلى مسار التسوية مع حماس. في 14 تشرين الثاني أعلن ليبرمان عن استقالته من الحكومة وانتقد بشدة ما وصفه بأنه سياسة انهزامية لإسرائيل في قطاع غزة.
في نقاشات الكابنت في 13 تشرين الثاني/أكتوبر قاد آيزنكوت الخط الذي يعارض عملية برية في غزة بدعم من نتنياهو (هناك من يقولون إن ذلك تم بصورة غير صريحة). عدد من الوزراء يتذكرون أنه ذكر فيها باختصار مسألة الأنفاق في الشمال. ولكن ما هو معروف هو أن هذا لم يكن الادعاء الأساسي، وإن السبب الرئيسي لاتخاذ قرار التأجيل هو أن نتنياهو وآيزنكوت رفضا العملية في غزة، ولم يكن لدى الجيش أهداف نوعية لمهاجمتها لأن التصعيد لم يبدأ بعملية إسرائيلية مفاجئة، وقادة حماس اختفوا عميقاً تحت الأرض.
الادعاء الذي يظهر بأثر رجعي هو أن نتنياهو وآيزنكوت خشيا من العملية المطلوب القيام بها في غزة، ولذلك رتبا لهما عملية أخرى، ولكنها أقل حيوية في الشمال كبديل. عملية كهذه الآن تخدم رئيس الحكومة مرتين: تحرف النقاش العام خلال يومين فقط من نشر توصيات الشرطة ضده في ملف 4000، وتعود لعرضه كسياسي رفيع المستوى، السياسي الوحيد الذي يستطيع مواجهة التحديات الإقليمية المعقدة والمتغيرة التي تواجهها إسرائيل. آيزنكوت أيضاً حصل على عمليته قبل لحظة من انتهاء منصبه في 15 كانون الثاني. رئيس الأركان ينظف الطاولة من مشكلة الأنفاق في الشمال، رغم أن من سيحل محله، افيف كوخافي، سيطلب منه معالجة التهديد من غزة والأزمة المتطورة حول مصانع الصواريخ الإيرانية في لبنان.
من هنا جاء أيضاً انتقاد اليمين واليسار لما يوصف كعملية علاقات عامة مضخمة ودفاعية، تخيف الجمهور بلا داع. الجيش من ناحيته رد على الانتقاد بالكشف عن تفاصيل وطبيعة التهديد (النفق الذي تم الكشف عنه اخترق بمسافة 40 متراً داخل أراضي إسرائيل، اخترق مسار راكبي الدراجات لسكان المتلة)، وعلى الفور تم اتهام الجيش بأنه يقوم بعلاقات عامة. ولكن كل النقاش، كما يبدو، يدور من موقع ـ من مع نتنياهو ومن ضده. هنا يمكن التخمين بما سيحدث عندما يقرر مواصلة عمله رئيساً للحكومة ووزيراً للدفاع، إذا قدمت ضده لائحة اتهام.
لقد كان لسفر نتنياهو إلى بروكسيل ـ كما يبدو ـ عاملان: التنسيق مع الأمريكيين حول النشاطات ضد الأنفاق في الشمال، وفي المقابل نقل تحذير شديد آخر للحكومة اللبنانية ـ أن تجلس بهدوء وتحاول كبح حزب الله من أجل منع تصعيد للوضع على الحدود. السؤال الذي يشغل المسؤولين الآن هو كيف سترد إيران فيما بعد وهل ستبحث عن طريقة لتدفيع إسرائيل الثمن، ربما على حدود أخرى، بسبب إحباط خططها العملياتية.

أمر ثمين وسرّي

مشروع الأنفاق هو أمر ثمين، سري وهام جداً من ناحية إيران وحزب الله. من الواضح أن الإيرانيين أيضاً كانوا في الصورة، وأن عدداً من الأمور العملياتية استند إلى المعرفة التي راكمتها حماس في نشاطاتها تحت الأرض في قطاع غزة في العقد الأخير.
جهاز الأمن حقق اختراقة تكنولوجية واستخبارية في كشف الأنفاق في قطاع غزة قبل سنة تقريباً، ومنذ ذلك الحين عثر ودمر 17 نفقاً هجومياً على جانب الجدار في غزة. إلا أن النجاح العملياتي ساهم أيضاً بالتدريج في التدهور الذي حدث بين إسرائيل وحماس بعد ذلك، وسرع حماس في أن تسخن عمداً الوضع على طول الجدار في غزة بواسطة «مسيرات العودة» التي بدأت في نهاية شهر آذار/مارس الماضي.
حفر الأنفاق مثل العثور عليها في أراضي الشمال وعلى الحدود الشمالية، هو مهمة صعبة جداً. الجيش الإسرائيلي عرض أمس باختصار تفاصيل استعداده في هذا المجال في السنوات الأخيرة: تبلور الفهم في العام 2012 عندما تحدث حزب الله عن خطة مستقبلية لـ «احتلال الجليل»، هذا الأمر يتضمن أيضاً نية هجوم مفاجئ بواسطة الأنفاق، وتشكيل طاقم خاص لفحص المشكلة في العام 2014، ونشاطاً محموماً لاكتشاف الأنفاق في السنوات الأخيرة.
الجيش لم يكشف حتى الآن عدد السنوات التي مرت منذ تم حفر الأنفاق وحتى اكتشافها (في حالة النفق الذي عرض أمس، الحفر استمر نحو سنتين). الجيش الإسرائيلي أيضاً لا يقول إذا كان هناك شك بوجود أنفاق أخرى غير التي تم اكتشافها، أو إذا لم يكن من الواجب القيام بهذه الخطوة قبل بضعة أشهر، عندما بدأت الاستعدادات المتواصلة للعمل.
مع ذلك، تم الكشف هنا عن تحد أمني هام سيتطلب الآن إدارة ملاصقة من جهة نتنياهو وآيزنكوت وقائد المنطقة الشمالية يوئيل ستريك. الجهود التي بذلت من أجل العثور على أنفاق أخرى يتوقع أن تستغرق أسابيع إذا لم تكن أشهراً. والأنفاق ليست المسألة الملحة الوحيدة التي تقف على جدول الأعمال. إسرائيل تحذر أيضاً من تداعيات الخطة الإيرانية لإقامة مصانع سلاح دقيق في لبنان، وتتكيف مع التغييرات التي تمليها روسيا في المنطقة. بدرجة كبيرة أغلقت موسكو سماء سوريا أمام هجمات سلاح الجو الإسرائيلي من جهة، وفرضت على إيران تقليص استخدام قوافل تهريب السلاح من جهة أخرى.

عاموس هرئيل
هآرتس 5/12/2018

المقال كاملا من المصدر اضغط هنا

Essa

- Advertisement -

Get real time updates directly on you device, subscribe now.



إقرأ المزيد