استجواب ظريف وأزمة المحافظين في إيران
بتوقيت بيروت -

- Advertisement -

مجموعة من نواب البرلمان الإيراني من الجناح المتشدد في التيار المحافظ يجرون اتصالات مع زملائهم من أجل التوقيع على عريضة برلمانية، يطلبون فيها استجواب وزير الخارجية محمد جواد ظريف، قد ينتهي الأمر إلى سحب الثقة منه وإخراجه من وزارة الخارجية.
ظاهر التحرك هو على خليفة المواقف التي أطلقها ظريف حول موضوع غسيل الأموال في إيران، ورفض مجلس صيانة الدستور تمرير إقرار قانون الالتحاق بمعاهدة FATF، أما باطنه فهو محاسبة الوزير على الاتفاق النووي.
من المتوقع أن ينتهي هذا الجدل إلى إيحاءات فوقية من أعلى السلطات بضرورة الكف عن هذا التحرك، وسحب أو التخلي عن طلب الاستجواب بذريعة واضحة هي، ضرورة الحفاظ على الحد الأعلى من الانسجام والتوافق الوطني وتعزيز الوحدة والصف الداخليین، بين مراكز القرار في النظام لمواجهة العقوبات الأمريكية وتداعياتها على الداخل، وموقع ودور إيران الإقليمي.
التصعيد الذي لجأ إليه ظريف والذي فهم منه وجود عمليات تبييض وغسيل أموال في إيران، جاء مدفوعا بإدراك وزير الخارجية لحساسية المرحلة التي تمر فيها إيران وعلاقتها مع المجتمع الدولي، وان أي قرار له طابع دولي قد تلجأ له المؤسسات الإيرانية سينعكس سلبا على محاولات الحكومة الإيرانية للحد من تداعيات العقوبات، وعلى عملية المجتمع الدولي باستمرار التعاون الاقتصادي والمالي مع إيران في مواجهة العقوبات الأمريكية. في المقابل، يبدو أن الجناح المتشدد بين المحافظين، قد يكون اختار التوقيت والموضوع غير المناسبين للهجوم على ظريف، ومن ورائه على رئيس الجمهورية حسن روحاني وحكومته، وحتى في استمرار معركتهم المفتوحة على الاتفاق النووي، انطلاقا من:
لأن الاستمرار في استجواب ظريف من المحتمل أن لا يحصل على الاصوات المطلوبة لإقالته، وبالتالي فإن الفشل في هذا المسعى يعني منح التيار المعتدل والإصلاحي انتصارا مجانيا يسمح لهم برفع الصوت والتشبث بالإنجاز الذي تحقق بالتوقيع على الاتفاق النووي.
لأن النجاح في إقالة وزير الخارجية، سيجعل منه شخصية محورية في الداخل الإيراني وعلى الصعيد الدولي، وسيتحول إلى رمز وطني، خصوصا بعد المواقف التي أطلقها بعد القرار الأمريكي بالانسحاب من الاتفاق، وأيضا في ما يتعلق بموقع ودور إيران الإقليمي، والرد على التصريحات الامريكية المطالبة بتغيير سلوك إيران في المنطقة. وبالتالي فإن استبداله بوزير جديد لن يحقق الهدف المطلوب، لأن البديل لن يكون مسؤولا عما وصلت إليه الأمور، خصوصا ما يتعلق بالاتفاق النووي وعودة العقوبات الامريكية.
إقالة ظريف ستمنح هذا الوزير حجة قوية للقول بأن جهات وأطرافا داخل النظام وضعت العراقيل أمام عمله، وإن سحب الثقة عنه يعني أن البرلمان وقف بوجه الخطط والسياسات التي تبنتها الحكومة ووزارة الخارجية لمواجهة القرار الامريكي، وكيفية التعامل مع المجتمع الدولي، خصوصا الدول الاوروبية لمواجهة تداعيات العقوبات.
لأن استجواب ظريف في موضوع غسيل الأموال، يصرف الانظار عن الاشكالية الاساسية التي تدفع هذا التيار لمحاصرة ظريف، وإخراجه من وزارة الخارجية، وهو موضوع الاتفاق النووي الذي كان من المفترض أن يكون العنوان الرئيس في استجوابه. خصوصا بعد ما يراه هذا الجناح من فشل الاتفاق في تحقيق الوعود الاقتصادية والسياسية، التي تحدث عنها الوزير ورئيسه.
إعادة تصويب مسار التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال سحب الذرائع من فريق روحاني ـ ظريف الذي يسعى لوضع الأزمة مع واشنطن في دائرة الخلاف مع الرئيس دونالد ترامب، وإعادة التأكيد على أن الخلاف الأساس والمركزي هو بين إيران ـ الجمهورية الاسلامية- والدولة الامريكية وليس مع ترامب، وأن الادارة الامريكية لم تتخل عن هدفها في تغيير النظام والقضاء عليه. هذا الجدل داخل الجناح المتشدد المحافظ، يكشف عن وجود اختلاف عميق بين مراكز القرار الإيراني، حول أسلوب التعامل مع المستجدات الدولية والداخلية. بين الدعوة لضرورة إظهار المزيد من الليونة وتدوير الزوايا في السياسة الداخلية، بين التيارات السياسية، من أجل تعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة مفاعيل العقوبات الامريكية، وضرورات الصراع الداخلي بين المتشددين الرافضين لتمرير أي إنجاز سياسي أو اقتصادي لروحاني وفريقه المدعومين بشكل محسوب من اعلى الهرم في النظام. الاستفاقة أو الانتفاضة لدى الجناح المتشدد قد لا تكون جديدة في مواجهة حكومة روحاني والهجوم والانتقاد للاتفاق النووي، فقد برزت من اليوم الأول للإعلان عن التوصل إلى هذا الاتفاق، إلا أن قيادة النظام ومن أجل قطع الطريق على تحرك غير مدروس أو مطلوب، سحبت من البرلمان الحق في مناقشة بنود الاتفاق، وسمحت للنواب بالتصويت على التقرير الذي أعده المجلس الأعلى للأمن القومي عن الاتفاق، بعد إقراره في هذا المجلس. وبالتالي فإنها ـ القيادة- سحبت من البرلمان حقه في الاعتراض على الاتفاق، وحصرته في حق استجواب الوزراء وحجب الثقة عنهم. ما يعني أن دور النواب بات محصورا في المسائل التكتيكية المتعلقة بأداء الحكومة ولا دور لهم في القضايا الاستراتيجية.
وانطلاقا من هذا المعطى، فإن اقصى ما يمكن أن يقوم به النواب المتشددون في استجواب ظريف هو الطلب منه عدم التدخل في المسائل الداخلية، وحصر دوره ونشاطه في المسائل الخارجية والدولية، أي أن يكتفي بالدور المحدد والمهام الموكلة له، في سياق يتفق مع الدور الذي بات يلعبه النواب بعد إخراجهم من دائرة التأثير على الاتفاق النووي منذ البداية. الجدل الذي أثير حول تصريحات ظريف عن وجود عمليات غسيل اموال متورط بها مراكز في النظام، سيمر من دون محاسبة، وقد يكون النظام مجبرا على إعادة تمرير هذه القوانين من خلال إدخال تعديلات بسيطة غير جوهرية على اتفاقية مكافحة غسيل الأموال، وبالتالي فإن الحصانة التي يحظى بها ظريف في الاتفاق النووي، ستنسحب على المواقف التي أطلقها حول غسيل الأموال، لأنها تنطلق من إدراك ظريف لحساسية ما وصلت إليه الأمور في العلاقة مع المجتمع الدولي، خصوصا بعد العقوبات الامريكية، وإدراك النظام ايضا انه في غنى عن فتح باب جديد يسمح للمجتمع الدولي في ممارسة المزيد من الضغوط على إيران، وقد تنتهي إلى دفع الدول الرافضة للعقوبات الامريكية الاحادية للانضمام إلى ترامب في قراراته ضد إيران.
إذا ما تجاوز الرئيس روحاني ووزير خارجيته ظريف هذا المأزق، فإن ذلك سيشكل مؤشرا واضحا على أن النظام الإيراني يتجه للتعاطي مع التحديات الدولية بمزيد من العقلانية والاستعداد لتقديم التنازلات المدروسة التي تساهم في إقفال بعض أبواب الضغط عليه، وأيضا مؤشرا على أن التيار المتشدد بدأ يفقد تأثيره في فرض توجهاته لصالح القوى الأكثر عقلانية، إلا أن هذه الليونة على صعيد الملفات الاقليمية، ودور وموقع إيران في المنطقة بحاجة إلى الكثير من الشد والجذب بين طهران وواشنطن، لترسيم حدود هذا الدور والموقع وحجم النفوذ، بحيث لا يشكل انكسارا لإيران أو تنازلا لامريكا.

*كاتب لبناني

المقال كاملا من المصدر اضغط هنا

Rim

- Advertisement -

Get real time updates directly on you device, subscribe now.



إقرأ المزيد