«أمنيزيا» الجماهير!
بتوقيت بيروت -

- Advertisement -

هل يصبح الذئب حَملاً؟ الجواب : نعم يصبح الذئب حملاً، ولكن ليس في كل زمان. ففي قديم الزمان، وفي حكايات جداتنا،
كان من المستحيل للذئب الشرس، المفترس أن يتحول إلى حملٍ وديعٍ، بأسنانٍ كأسنان طفلٍ رضيعٍ، وصوفٍ أبيضٍ جميلٍ، كالعِهْن المنفوش. أما اليوم، ولأنَّ هذا العالم فقد ضميره، بعد إصابته بمرض خطيرٍ إسمه «السايكوباثية»، فيمكننا القول أنّه يمكن للذئب المفترس أن يتحول إلى حملٍ وديع.

القتلى والأسرى والمفقودون

ويمكن للخائن لوطنه أن يصبح رئيس دولة، ويمكن للقاتل، والسفاح، واللص أن يتحولوا إلى أبطالٍ قوميين، ومحليين. فالمجرم، والقاتل، واللص الذي تلعنه الجماهير اليوم، وتبصق على صوره حتى لا يبقى طفلٌ، أو شيخٌ، أو امرأةٌ، أو رجلٌ، إلا ويبصق عليه، وتتوعده بالسحل في الشوارع، والحارات، والأزقة، قد يتحول بين يوم وليلة، إلى بطلٍ، ومنقذٍ، وفارسٍ مغوار، تهتف باسمه الجماهير نفسها التي لعنته بالأمس، وتتغنى به الأهازيج، والأناشيد التي تهتز على أنغامها الأبدان، وتُنّظم الدبكات والرقصات احتفالا وفرحاً به، وتلصق صوره، وهو يبتسم ابتسامة عريضة تُظهر أسنانه، على نوافذ السيارات، وجدران البيوت.

تحول الديكتاتور

الجماهير تنسى، تنسى بسرعة البرق، تنسى كل شيء، تنسى القتلى، والأسرى، والمفقودين، والمختطفين، والمغيبين في السجون السرية لهذا الحاكم القاتل، تنسى الثكالى، والأرامل، والأيتام، تنسى اللاجئين الذين غرق نصفهم في عَتَمات البحار والمحيطات، وهم يصارعون الأمواج العاتية بحثا عن مرفأ أمان لهم ولعوائلهم، من القنابل، والبراميل المتفجرة، والصواريخ، التي كان مجرم الأمس يلقيها عليهم، والتي دمرت منازلهم ومدنهم، وحولتها إلى أنقاضٍ متهالكةٍ، لا تقوم لها قائمة. ولكنّ الجماهير تنسى، تنسى بسرعة البرق، أو بسرعة الرصاصات الموجهة لصدورهم، التي طالما حاربت عسكر، وجنود جلادهم وقاتلهم. فيتحول بشار الأسد، قاتل شعبه، إلى حاكمٍ يستحق المغفرة، ويستحق فرصةً جديدةً، ويستحق الهتاف له بالروح والدم نفديك. ولِمَ لا، فالجماهير تنسى وتغفر، تنسى بسرعة البرق، أو بسرعة رصاصة موجهة للصدر.
و إذا بصدام، هو الآخر، يتحول من ديكتاتور، وطاغية، ومجرم، ومستَّبد، ومن حاكمٍ تكون الحرب خياره الأول، وليس الأخير في التعامل مع الجيران، ومشاكلهم المستعصية، إلى مُنقذ نحِّنُ لأيام قهرنا معه، ونشتاق للوجع الذي طالما أذاقنا أيّاه، ونتحسر أننا لا نستطيع أن نبعثه بعثا، لأنّه الوحيد القادر على حلِّ مشاكلنا، ومعضلاتنا.

نسيان الجماهير

صدام، الذي بسبب سياساته الارتجالية، الرعناء تحول العراق من دولة إلى لا دولة، يجوع أهله الذين تجري من تحتهم أنهارٌ من نفط ٍ، وغازٍ، ومعادن أخرى، يعطش أهله ودجلة والفرات بينهم. صدام، الذي نزلت دول العالم كلّها، بكلّ ثقلها لتحاربه، إلى درجة انّ جيرانه تحالفوا مع ما يسمى بالمعارضة العراقية، وهي في الحقيقة معارضة عميلة لإيران، لإسقاطه، وفرضوا على شعبه، من أجل تحقيق هذا الهدف، حرب تجويعٍ شرسة ٍ، وقاسيةٍ، لا هوادة، ولا هدنة فيها، لثلاث عشرة سنة دون رأفةٍ، أو رحمةٍ، أو شفقةٍ، أصبح اليوم، بنظر الكثيرين، ومنهم جيرانه أعداء الأمس القريب، بطلاً قوميا، وفارساً مغوارا، ومنقذاً، وحامي البوابة الشرقية للأمة العربية.
ولِمَ لا، فالجماهير تنسى، تنسى بسرعة البرق، أو بسرعة رصاصة لصدر حرٍّ يطالب بحقه، وبإنسانيته. عالمنا اليوم عالم مصابٌ بأمنيزيا مرعبة، مخيفة، وصادمة ، عالمٌ، يصدمنا كل يوم بأحداثه الدرامية، المهولة، والتي لشدّة هولها، وضخامتها تستغلق على عقولنا لتصدقها، فنرى عقولنا ترفض التصديق، وترفض الإقرار بما حصل، فترانا عاجزين عن التصديق، مبهوتين من ثقل المفاجأة وصفعة الخبر. هذا عالمٌ سقطت فيه الأخلاق في هوةٍ مظلمةٍ، عميقةٍ، فأضحت عملةُ الأخلاق فيه عملةً عتيقةً، تعود أصولها لعصور سحيقةٍ في القدم، لا تتناسب مع تقليعاته، وأساليبه، ومجرياته.
هذا العالم لم يعد عذرياً، عفيفاً، هتكت عذريته الشهوة العارمة للسلطة وللمال، وحولته إلى تاجر طامعٍ، دنيء يذهب مع من يدفع أكثر، ومن هو قادر على الدفع كل يوم، وحالنا نحن سكان هذه العالم، حالنا هو مجبر أخاك، لا بطل، نتعايش مع كلّ هذه الدناءة، والبشاعة، والنفاق كلّ يوم، ولا مفر.

كاتبة من العراق

المقال كاملا من المصدر اضغط هنا

Huda

- Advertisement -

Get real time updates directly on you device, subscribe now.



إقرأ المزيد