كارلوس غصن وإيمانويل ماكرون واللاحُكميّة
بتوقيت بيروت -

- Advertisement -

كارلوس غصن، الموقوف في اليابان للاشتباه بارتكابه مخالفات مالية، هو «مديرٌ عاملٌ بالأجر»، وليس «رأسمالياً»، لو اقتصر التصنيف على هذين الفئتين.
هو كذلك منذ شبابه في إدارة شركة ميشلان للإطارات المطاطية، ووصولاً لتبوئه أعلى مناصب تحالف «نيسان ـ رينو». التحقيق الذي يخضع له حالياً يتعلّق بكيفية امتلاكه أموالاً تفيض على مجموع المعاشات والعلاوات التي نالها في السنوات الأخيرة.
نظرياً إذاً، لا يُمكن أن يحتسب كارلوس غصن «رأسمالياً»، فيما يمكن أن يُحتَسب أقل مالكي الأسهم في «نيسان ـ رينو» كذلك. التذكير بذلك أساسي لفهم مآل الرأسمالية، ومأزق غصن الذي هو، إلى حد ما (فقط)، مأزقها.
لا ينتمي غصن إلى طبقة الرأسماليين، بل إلى طبقة مدراء الشركات الصناعية الرأسمالية الكبرى. العلاقة بين هاتين «الطبقتين» ملتبسة، ومؤرّقة للجانبين، تقريباً منذ الفترة التي أصدر فيها الإقتصاديان أدولف بيرلي وغاردينير مينز كتاب «الشركة الحديثة والملكية الخاصة» (1932). أطروحتهما المركزية: أنّ الصناعات تتركّز مع الشركات المساهمة، لكن مالكي الأسهم يملكونها بالمجرّد، وعلى الورق، أمّا المدراء، غير المالكين، فهم الذين يتحكمون بالمنشآت بمن فيها وبما فيها أكثر. وهذا ما يجعل الشركة المساهمة تتطور كما لو كانت «قطاعاً عاماً»، بل شكلاً من أشكال «الدولة»، ذلك أنّ إدارة سير الأمور داخل الشركة من قبل أناس يتقاضون أجورا لإدارتهم لها، وليست لهم في ملكية رأس المال حصّة لكونهم مدراء، تحاكي آلية أي سلطة حكومية.
تكون الرأسمالية المساهِمة والخاضعة لسلطة «المانجرز» قد أتت على جزء من مشروعية فكرة الملكية الخاصة نفسها بالنسبة إلى الرأسمالية، فالتملك يصير فعلاً سلبياً، منفصلا عن المبادرة الفردية التي يُبَشّر فيها، فيما تصبح المبادرة الفردية للمدراء بحاجة إلى استكمال ذاتها بالممارسات اللاقانونية، على ما شدّد المفكر الاقتصادي جوزيف شومبيتير، وصار الشغل الشاغل في علمي الاقتصاد والإدارة معاً هو معرفة ما الذي سيجعل «الطبقة المانيجيرية» ستبذل أصلاً أقصى ما في مستطاعها من أجل تأمين مصالح «الرأسماليين» من مالكي الأسهم، خاصة وأنّ الشركات الضخمة صارت أشبه ما يكون بمؤسسات القطاع العام.
في كتابه الصادر حديثاً (بالفرنسية)، «المجتمع غير القابل للحكم. نساب الليبرالية التسلّطية»، يوضح الباحث غريغوار شامايو «عدّة نصب» هذه «الثورة المدرائية» التي بلغت أوجها في منتصف القرن الماضي. فـ»رجل الأعمال ـ المدير» أخذ يسوّغ لنموذجه، على قاعدة أنّه بمثابة همزة الوصل بين مالكي الأسهم، وبين عموم الناس، المستهلكين، وأنّ أهليته للتحكّم السلطوي بالشركة التي يقودها ترجع إلى أنه لا يديرها من أجل نفسه، بل من أجل «الصالح العام».
رطنت «الثورة المدرائية» بالحديث عن المسؤوليات الاجتماعية لرجل الأعمال. قبل أن تظهر بدعة «الغوفرننس» التي تترجم بالحُوكمة والحكم الرشيد، وفي غالب الوقت من دون رصيد دلالي جدي، فقد ظهرت هذه المقولة، في معناها الملموس، كتنويعة حديثة على تراث «مرايا الأمراء»، تلك الرسائل التي كانت تؤلّف لولاة الأمر يتأدبون بها وينتفعون ويدركون أن السيطرة على المُلك مشروطة بالسيطرة على أهوائهم الداخلية. كذلك المدراء، رجال الأعمال، الأولى بالواحد منهم، وفقاً للأدبيات «المانيجيرية» هو أن يتحوّل إلى «مستبد مستنير» على رأس الشركة التي يديرها، بل أن يجري السعي أيضاً إلى ربط سلطته بنوع من الحوكمة الدستورية ضمن أسوار الشركة.
عندما كانت مقولة «الحكم الرشيد» تعني شيئاً، في إطار إدارة شركة، ارتبط ذلك بالتشديد في علم الإدارة على نظرة إلى الشركة على أنّها ليست لا ديموقراطية ولا أوتوقراطية، بل مؤسسة ذات طابع دستوري محافظ.
بالهالة التي راكمها في إدارة أعمال كبرى الشركات الصناعية، مثّل كارلوس غصن هذه «الثورة المدرائية»، بشكل عابر للبلدان والسياقات، إذ نشأت «ميثولوجيا غصنية» يمكن استجماع عناصرها ما بين لبنان وفرنسا والبرازيل واليابان، وهي سياقات مختلفة لرجل تحوّل إلى بطل القصص المصورة «المانغا» الأول في اليابان، إذ رُفِع كمثال للمناقبية، والسرعة، والدقّة، في وقت مكّنته مارونيته من شغل حيّز عند اللبنانيين، بمثابة «رئيس الجمهورية المثالي المتخيل»، والمجسّد للعبقرية الفطرية اللبنانية، مع أنّه عمل في مجال الصناعة، تلك التي نشأت أيديولوجيا «الرأسمالية اللبنانية» واستدامت على الاستخفاف بها، وجعلها مضماراً غير مهم بالنسبة إلى مقال العبقرية اللبنانية.

الصناعات تتركّز مع الشركات المساهمة، لكن مالكي الأسهم يملكونها بالمجرّد، وعلى الورق، أمّا المدراء، غير المالكين، فهم الذين يتحكمون بالمنشآت بمن فيها وبما فيها أكثر

فرنسياً هو رمز لمرحلة الخصخصة التي مرّت فيها «رينو» مثلاً من ملكية الدولة الاحتكارية لها، إلى احتفاظ الدولة الفرنسية في الوقت الحالي بموقع «مالك الأسهم الأول» فيها، هذا بعد أن عززت الدولة الفرنسية حصة أسهمها في الشركة بقرار من ايمانويل ماكرون، قبل ثلاثة أعوام، عندما كان لا يزال وزيراً للاقتصاد، ودون العروج على غصن، الأمر الذي انعكس أزمة على الإتحاد القائم بين «رينو» و«نيسان».
المفارقة أنّ غصن توّج إمبراطوراً «مانيجيرياً» في زمن الثورة المعاكسة للمانيجيرية وسلطة المدراء، التي شكّلتها الوثبة «النيوليبرالية» في نهاية القرن العشرين. وهنا بالتحديد، تنفع الاستعانة بكتاب شامايو «المجتمع غير القابل للحكم» كونه يلتقط عنصرا أساسيا في الأيديولوجيا، بل التكنولوجيا السياسية، المسماة «نيوليبرالية»، وهي أنّها ثورة ردّ الاعتبار للمالكين المساهمين، على حساب البيروقراطيتين، الدولتية والشركاتية. انبنت النيوليبرالية على إعادة تقديم الشركة كتعاقد بين مستثمرين مساهمين قبل أن تكون تنظيماً هرمياً على رأسه المدراء. لكن النيوليبرالية هي أيضاً تكنولوجيا سياسية وليس فقط أيديولوجيا: أعادت الإعتبار للمساهمين، لكنها أبعد ما تكون عن تهميش شريحة المانيجيرز في الشركات، والبيروقراطيين في مؤسسات وأجهزة الدولة. من حيث هي تكنولوجيا سياسية، تتشكل النيوليبرالية من كل ما من شأنه تسخير هاتين الشريحتين، البيروقراطية والمانيجيرية، وطنياً وعبر البلدان، من أجل «تنظيم عدم قابلية الأسواق للتحكم بها».
لأجل هذا يتكلّم شامايو عن «الليبرالية التسلّطية» القائمة على رعاية «لا قابلية الأسواق للتحكم بها»، والمصطدمة في الوقت عينه بلاقابلية المجتمعات التي تخضع لها لأن تكون محكومة، وهو ما أخذ يتنبه له صاموئيل هانتغتون منذ منتصف السبعينيات، عندما لاحظ أنّ الضغط الزائد على الشبكة الديمقراطية للجماعات التي كانت حتى هذا الوقت مستبعدة ومهمشة أو مكتفية بما لها من شأنه تهديد الديمقراطية، أي أن كثير من الديمقراطية، كثير من المطالب وتفعيل الحقوق في نفس الوقت هو خطر على الديمقراطية. أمام هكذا مشكلة، انبرى النيوليبراليون لطرح الحل: اخضاع الديمقراطية لنفس التقنيات والسياسات التي استخدمت لمعالجة أزمة ادارة الشركات الصناعية الكبرى، ما يعني أيضاً ميل السلطة التنفيذية أكثر فأكثر، أياً كان الدستور، لاختزال السلطة بها، وهو ما يشتكى منه فرنسياً أكثر فأكثر، وبخاصة مع ساركوزي وماكرون.
ينتمي كارلوس غصن وايمانويل ماكرون إلى الشريحة نفسها: المانيجرز، مع فارق أساسي، الأوّل عمل حتى توقيفه كمدير صناعات، في حين عمل الثاني كمصرفي استثماري في بنك روتشيلد، قبل أن يدخل، برصيده الاداري المالي، هذا، الحقل السياسي.
يتعامل أعداء الرأسمالية الأيديولوجيين مع هذا النوع من الوظائف كتابعة لرأس المال. أما الرأسمالية فحافظت بشكل إجمالي على نظرة قلقة حيال هذا «الإنفصال» داخلها بين الملكية والإدارة. وفيما يتوجه المساهمون في نيسان ورينو بطبيعة الحال باللائمة إلى كارلوس غصن بمجرّد أن يتسبّب توقيفه في متاعب مالية لهم، يدخل ماكرون في محنة من نوع آخر. الأول «ضحية» عدم قابلية الرأسمالية لحل مشكلة الإنفصال البنيوي بين الملكية الخاصة وبين الإدارة ـ المبادرة الفردية، والثاني «ضحية» عدم قابلية الرأسمالية للجمع بين جعل أسواقها «لا تُحكَم»، وجعل المجتمعات التي ترزح تحتها «قابلة للحُكم».
الرئيس السابق في الإليزيه، فرنسوا اولاند، فشل منذ بداية ولايته، عندما قرّر أن يزيد الفاتورة الإجتماعية على أصحاب الرساميل، فأسرعوا إلى جنات ضريبية و«حوافزية» خارج فرنسا. أما ماكرون، فقرّر أن يدفّع فاتورة الإصلاحات البيئية للأقل دخلاً، ليثير الحراك الإحتجاجي ضدّ اجراءاته نوبات الخلخلة المزمنة، الراجعة الى ارتفاع منسوب «لاحكمية» المجتمع نفسه، ومستوى تصدّع تركيبته، ما يعود إلى حد كبير الى ترحيل أصحاب الرساميل الصناعات نفسها من فرنسا إلى أوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا. فيما مضى، كانت الطبقة العاملة ثورية (صاحبة مشروع تغيير شامل) وصمامة أمان لتماسك المجتمع. ليس ثمة مشروع ثوري شامل يطرح نفسه عملياً اليوم (احياء شامايو الشوق إلى أيام «التسيير الذاتي» لا يكفي)، وفي الوقت نفسه لم تعد الطبقة العاملة تقف حجر عثرة أمام الخلخلة المزمنة للنسق «العام ـ الخاص».

كاتب لبناني

المقال كاملا من المصدر اضغط هنا

Essa

- Advertisement -

Get real time updates directly on you device, subscribe now.



إقرأ المزيد