محكومون بالأمل لكن بلا أقنعة
بتوقيت بيروت -

- Advertisement -

بات من الواضح أن المبالغة في التركيز على الجوانب الجنائية في جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي ترمي إلى تأجيل فتح بوابة الجانب السياسي منها، حتى يتسنى للأطراف المتعددة المعنية بالملف، ضبط عناصره المختلفة، ورسم آليات عمل مساره المستقبلي، الذي لا تشكل الواقعة الوحشية المدانة فيه سوى رأس جبل الجليد، في معضلة الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط، بطابعها الاستبدادي التخريبي، الذي لا طريق أمام لاعبيه سوى المضي قدما في محاولات البقاء على رأس الهرم السياسي أطول فترة ممكنة، وبأي طريقة ممكنة، بعد أن أطل استحقاق التغيير السياسي برأسه، وأصبح عنوان مرحلة موضوعية جديدة من شأنها أن تجب ما قبلها بالضرورة، وأن تكنس معها عوالق الاستبداد ورواسبه مرة وإلى الأبد.
هذا يعني أن تلك الأنظمة باتت تشكل ومنذ زمن بعيد حجر عثرة أمام مسيرة تقدم المجتمعات التي تحكمها، وأنه يتعين عليها أن ترحل مفسحة المجال أمام قوى التغيير، لتلعب دورها في تجسيد المتطلبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمرحلة الجديدة، وهذا أمر طبيعي حدث ويحدث في جهات الدنيا الأربع، كلما برزت استحقاقات جديدة على مستوى البنى الفوقية للمجتمع، مدفوعة ببناها التحتية، كما هو معلوم، وبالتالي يصبح السؤال مشروعا حول سر استعصاء التغيير السياسي في منطقة جغرافية من العالم بعينها، خاصة حينما نتذكر تجارب معاصرة مماثلة حول العالم، بدءا من أمريكا اللاتينية والقارة السمراء وجنوب شرق آسيا وصولا إلى أوروبا الشرقية.
كما أنه لم يعد كافيا إرجاع أسباب الاستعصاء إلى العوامل التقليدية الثلاثة المعروفة التي نشأ على أساسها النظام الرسمي العربي (النفط، الدولة العبرية، جغرافية المنطقة) بعد أن أصبحت دول من خارج المنطقة من أكبر منتجي الذهب الأسود وبدائله في العالم، وبعد أن أصبح أمن الدولة العبرية من مسلمات الحاضر، إثر موجة التطبيع التي تجتاح المنطقة، وبعد أن قلصت الثورة التكنولوجية طرق المواصلات والاتصالات، وتقلصت معها أهمية الشرق الأوسط من الناحية الجغرافية، بل إن الأمر يتعدى، أو ربما ينبغي أن يتعدى المعالجة التقليدية لطبيعة هذا الاستعصاء، إذا أخذنا في الاعتبار أن تلك العوامل لطالما كانت مستقرة إلى درجة القداسة، حيث اعتبرها ممثلو النظام الرسمي العربي خطوطا حمرا لا يتجرأ أحد على المساس بها، ما ضمن للقوى الإقليمية والدولية مصالحها التي تفرض أول ما تفرض ديمومة بقاء أنظمة الاستبداد، كحارس أمين لتلك المصالح، في ظل حلف غير مقدس يجمع بين طرفين يتغذى الواحد منهما على الآخر على قاعدة “الحماية مقابل المال”، التي يتشدق بها الرئيس الشعبوي الأمريكي دونالد ترامب، في هذه الأيام، جهارا ليل نهار.
لكن كل ذلك لا يغير في استحقاق التغيير السياسي شيئا، بل يزيد من أحقيته في واقع الأمر، ما وضع مراكز الاحتكار في العالم أمام خيارين لا ثالث لهما، وكلمة السر في كليهما هي ضرورة التغيير ذاتها، ولا شي غير التغيير يمكن أن يضمن استمرار هيمنتها على مقدرات منطقة الشرق الأوسط وصناعة قرارات أنظمتها السياسية، بحيث يصبح السؤال لا يتعلق بالتغيير نفسه، وإنما بطبيعته وبأي اتجاه ستسير الأمور، فكان من الطبيعي أن يصار إلى استبعاد احتمالية خيار التغيير السياسي الديمقراطي ومحاربته بالحديد والنار حتى الرمق الأخير، على يد ذلك الحلف غير المقدس، الأمر الذي تطلب سحق انتفاضات الربيع العربي من المحيط إلى الخليج، بينما فتحت بوابة التغيير باتجاه خلق صيغ جديدة للحكم بالصيغة القديمة، لكن بأدوات وأساليب جديدة أكثر تشويها ومنافية للواقع والمنطق السياسيين بصورة متزايدة حد الوقاحة السياسية.

أنظمة باتت تشكل ومنذ زمن بعيد حجر عثرة أمام مسيرة تقدم المجتمعات التي تحكمها، ويتعين عليها أن ترحل

الخيار الثاني المعتمد حاليا يشي بإعادة هيكلة البنى الفوقية لأنظمة الاستبداد في الشرق الأوسط، من خلال عملية شكلية تعتمد على صيغة توسيع مشاركة قواها السياسية في السلطة، على أساس المحاصصة القائمة على الدين أو المذهب أو العرق، مع بقاء سلطة مركزية واهنة يمكن اعتبارها، في أحسن الأحوال، ممثلة لمصالح مراكز الاحتكار الاقليمية والدولية في الداخل وضامنة لاستمرار نفوذها هناك طالما ثمة حاجة لذلك، بينما تسير شؤون الداخل بعيدا عن كل المسرحيات البهلوانية “الديمقراطية”، التي يراد منها الإيحاء باعتماد الخيار الأول، الأمر الذي يتطلب “لبننة” الأنظمة السياسية بالمنطقة، وتعميم تجربة اتفاق الطائف فيها. هذا ما يحدث في العراق وجار اعتماده في سوريا واليمن والحبل على الجرار، كما يقال، بحيث ستجد المنطقة نفسها بعد حين أمام تشكيلة واسعة وشاملة من الأنظمة الصورية المتماثلة، وما واقعة اغتيال خاشقجي العلنية إلا مقدمة للنسخة الخليجية من صيغة الحكم الفتاكة هذه.
في هذا السياق وحده يمكن تفسير حالة التناقض الظاهري بين شعار بسط النظام الديمقراطي حول العالم الذي تتشدق به مراكز الاحتكار حول العالم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وممارساتها السياسية والأمنية على أرض الواقع، المنافية لتلك الشعارات الرنانة، التي تسعى من خلالها الى تكريس نفوذها بشتى الطرق من الجهة الأخرى، الأمر الذي يعني أن”صندوق البندورة” الذي فتحته مراكز الاحتكار تلك في وجه الأنظمة السياسية الاستبدادية في الشرق الأوسط، تحت ضغط استحقاق التغيير ستطال شظاياه الجميع بدون استثناء، فالمسألة هنا لا تقتصر على هذه التجربة أو تلك، لاسيما بعد ادراك التماثل المطلق بين الأنظمة السياسية في المنطقة الملكية والجمهورية منها على حد سواء، وبعد أن تأكد زيف الشعارات التي تطرحها، سواء لجهة تحقيق الاستقرار والرخاء لمجتمعاتها، أو لجهة استعادة الحقوق المستلبة من قبل أعداء اتضح أنهم من مستلزمات “عدة شغل” استنفدت صلاحيتها ولم تعد قابلة للتسويق والتصديق، كما بينت تجربة الثورة المضادة، التي تمكنت في غفلة من الزمن والتاريخ من سحق ثورات الربيع العربي.
ربما ثمة ضرورة للإشارة من جديد، أخيرا، إلى حالة الوهم الكاسحة التي تعم بلدان الشرق الأوسط لجهة الإيمان بمسلسل الاستقلال الناجز، الذي يجتاح المنطقة منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، وبأن الكيانات السياسية التي ظهرت حينها قد أن أنجزت بالفعل هذه المهمة التاريخية والحيوية في حياة الشعوب، ما يدلل، إن صح التحليل، على أن رحلة الألف ميل لم تبدأ بعد وأنه من المبكر كثيرا السماح لظلال اليأس بأن تتسلل إلى جنبات ضمائر محكومة بأمل الخلاص.
كاتب فلسطيني

المقال كاملا من المصدر اضغط هنا

Rim

- Advertisement -

Get real time updates directly on you device, subscribe now.



إقرأ المزيد