في أسباب الحنين إلى الاستعمار… كاليدونيا الجديدة ليس الاستثناء
بتوقيت بيروت -

- Advertisement -

لم يصوَّت سكان جزيرة كاليدونيا الجديدة لصالح البقاء تحت الوصاية الفرنسية حبا في فرنسا، بل خوفا من المجهول.
قبل نحو ربع قرن حصل سكان الجزيرة الواقعة في جنوب المحيط الهادئ (300 ألف نسمة)، على وعود من فرنسا بإجراء استفتاء الاستقلال، إثر مظاهرات شعبية بدأت احتجاجا على صعوبة المعيشة وتردي أحوال السكان الأصليين مقارنة بالأوروبيين وسرعان ما تحوَّلت سياسية مطالبة بالاستقلال. لكن الاستفتاء ظل يتأجل، فكان التأجيل في صالح فرنسا بفضل عامل الزمن والتغييرات الجيواستراتيجية في العالم. تعمد الفرنسيون هذا التأجيل، أم لا، هو خدمهم وسيفعل طيلة العقود المقبلة.
لم ينتظر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إعلان النتائج رسميا ليلقي كلمة تشبه كلمات العيد الوطني الفرنسي. كان خطابه هادئا، وإن ممزوجا بفرحة رصينة ربما يبررها يقينه أن الكاليدونيين لم يصوِّتوا للبقاء تحت وصاية باريس البعيدة عنهم 20 ألف كيلومتر والمختلفة عنهم توقيتا بعشر ساعات، بل طلبا لاستمرار الحماية. فالجزيرة جزء من الأراضي الفرنسية التي تسمى مقاطعات ما وراء البحار، واستطرادا تُعتبر جزءا من فضاء الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، بكل ما يعنيه ذلك من شعور بالأمن والثقة.
استفتاء الأحد هو الأول الذي تدعو له السلطات الفرنسية في مستعمراتها منذ استفتاء 1977 الذي أسفر عن استقلال جيبوتي في القرن الأفريقي.
تصويت سكان كاليدونيا على بقاء الوصاية الفرنسية ليس سابقة. هناك سوابق أخرى حديثة حتى في قلب أوروبا. أبرزها استفتاء جبل طارق في تشرين الثاني (نوفمبر) 2002، والذي رفض خلاله السكان مجرد تقاسم السيادة بين بريطانيا واسبانيا (ناهيك عن الاستقلال عن التاج البريطاني!). وهناك أيضا استفتاء اسكتلندا في 2015 الذي رفض خلاله السكان الانفصال عن المملكة المتحدة.
لو جرى استفتاء كاليدونيا الجديدة قبل ربع قرن لكانت النتيجة حتما مختلفة، ولكانت هذه الجزيرة التي عمَّرها الفرنسيون بالمنفيين من مستعمراتهم، وبينهم الجزائريون، دولة مستقلة اليوم. ولو استُفتيَ سكان جيبوتي، أو غيرهم من سكان المستعمرات الفرنسية والبريطانية، في 2018 لكانت النتيجة رفض صريح للاستقلال. وعندما سيُستفتى سكان سبتة ومليلية، إن استُفتيوا يوما، حول العودة إلى المغرب أو البقاء مع اسبانيا، ستكون النتيجة ساحقة لصالح البقاء في اسبانيا. وعندما سيستقل سكان الصحراء الغربية، إن استقلوا يوما، سيكتشفون بسرعة أن متاعب الاستقلال وثمنه تفوق متاعب وثمن البقاء تحت العلم المغربي.

عندما يرى سكان كاليدونيا ما حل بالمغرب والجزائر وكوت ديفوار وباكستان وغيرها، بعد الاستقلال، فلا أحد يحق له لومهم على تفضيلهم البقاء تحت السيادة الفرنسية

هذه الاستفتاءات، وقد تكون هي الأخيرة في المشهد الدولي، تدعو للتأمل. نتائجها «السلبية» هي ثمرة الظروف الدولية المحيطة بها. الأزمات العميقة والمتنوعة التي يعيشها العالم، وسيعيشها، هي التفسير الأول لخوف شعوب كانت إلى وقت قريب تحلم بالاستقلال وبالحرية. النظام العالمي اليوم لا يتحمل، ولن يرحم، دولة جديدة صغيرة تخرج من رحم أخرى قوية ومستقرة (إذا كان هذا النظام الجشع ماضٍ في تفتيت دول موجودة منذ عقود، فماذا سيفعل بأخرى حديثة الولادة؟).
العالم كما هو اليوم كرَّس الإيمان بأن الخوف على الهوية وشغف الحرية والاستقلال لم تعد عوامل كافية لتبرير الانفصال. وسوَّق أن الانفصال في دولة هشة وحديثة قد يكون أخطر على الهوية والحرية من البقاء تحت سيادة دولة قوية كما هو حال كاليدونيا الجديدة وفرنسا. كما أن الشعوب، في زمن العولمة وتداعياتها، لم يبقَ لديها ما يكفي من الصبر والأمل للاستمتاع باستقلال ضجر ومكلف.
انتهت اللعبة. وتغوّلُ التكتلات الإقليمية لم يترك للضعفاء فرصة للتفكير المنفرد.
جميلة شعارات الحرية والاستقلال، ومفيدة في المجتمعات التي عانت ويلات الرجل الأبيض القادم من بعيد جداً ليفعل ما يشاء في أرض ليست أرضه وبشعب لا يعرفه ولم يؤذه. لكن الشعارات حطمها الواقع المر، خصوصا في السياق الدولي الحالي الذي قاد إلى تطور في العلاقة بين المستعمَر والمستعمِر، غاب فيها العنف المباشر: كم من شعب استقل ولم يتحرر؟ كم من دولة أخرجت الاستعمار وبقيت تابعة له؟ كم من دولة استرجعت حريتها مبتورة؟
لا يمكن، في المقابل، إهمال فشل الدولة الوطنية المستقلة في تحقيق الحد الأدنى لشعوبها. في افريقيا وآسيا هناك شعوب استقلت في النصف الثاني من القرن الماضي، لكنها بسرعة نسبية كسرت تابو «الاستقلال مقدس» وباتت لا تستحي من التعبير بصوت عال وبأكثر من طريقة عن حنينها للاستعمار. عندما يرى سكان كاليدونيا ما حل بالمغرب والجزائر وكوت ديفوار وباكستان وغيرها، بعد الاستقلال، فلا أحد يحق له لومهم على تفضيلهم البقاء تحت السيادة الفرنسية.
هناك بعض الاستثناءات عما ورد أعلاه، أبرزها استفتاء استقلال كتالونيا عن اسبانيا العام الماضي. مضى ذلك الاستفتاء إلى نهايته بالنتائج المأمولة، لأن العلاقة بين مدريد وبرشلونة ليست علاقة مستعمِر ومستعمَر بمفهومها التقليدي، ولأنه كان مشحونا قوميا وعقائديا، وحمل في طياته بذور خطأ تاريخي تشبه خطأ تصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي.
يجب القول ختاما أن فرحة فرنسا ناقصة، لأنها ستكون مُطالَبة بالاستماع إلى قرابة 43٪ من سكان كاليدونيا، قالوا نعم للاستقلال. وبمعايير الديمقراطية، هذه كتلة سكانية هائلة.

كاتب صحافي جزائري

المقال كاملا من المصدر اضغط هنا

Essa

- Advertisement -

Get real time updates directly on you device, subscribe now.



إقرأ المزيد