عقوبات ترامب على إيران تهدد بزعزعة النظام العالمي
بتوقيت بيروت -

- Advertisement -

«الولايات المتحدة لن تنجح في تحويل الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر إلى ذكرى مريرة في تاريخ إيران»، قال هذا الأسبوع الزعيم الأعلى علي خامنئي. وهو على حق، لأنه من ناحية الثورة الإسلامية، 4 تشرين الثاني/نوفمبر، سبق ونقش في الذاكرة التاريخية كيوم تراجيدي. في هذا اليوم في عام 1964 قام شاه إيران بنفي الخميني إلى تركيا. وهناك عاش في مدينة بورصة في بيت ضابط استخبارات تركي. بعد 11 شهر انتقل إلى مدينة النجف في العراق. وفي 1978 تم طرده من قبل صدام حسين إلى فرنسا وهناك أقام في أحد أحياء باريس، صالونه السياسي، وخطط منه للثورة.
مشكوك فيه إذا كان الرئيس ترامب قد فحص الرزنامة السنوية من أجل أن يضيف اسهامه إلى أيام الذكرى الوطنية في إيران، لكنه على يقين أن هذا لا يقلق الإيرانيين فحسب، بل اقتصادات العالم، بسبب توقع ارتفاع أسعار النفط. «العقوبات ستضر بالنظام العالمي»، حذر وزير الخارجية جواد ظريف في مقابلة له مع «سي.بي.اس». قد لا يتضرر النظام العالمي بسبب فرض عقوبات جديدة على نفط إيران، يوم الأحد، من قبل الولايات المتحدة، لكن إذا اضطر مواطنو دول كثيرة في العالم إلى أن يدفعوا أكثر مقابل الوقود لسياراتهم والكهرباء لبيوتهم والمصانع فستضطر إلى رفع أسعار المنتجات، وستنشأ منافسة بين قدرة إيران على الصمود وقدرة الدول الغربية على ذلك. في المقابل، يقدر محللون غربيون أن السعودية وروسيا ستنجحان في إكمال النقص الذي هو حوالي مليون برميل يومياً، الذي سينشأ عند فرض العقوبات. ولكن هذه عملية ستأخذ وقتاً، حتى آذار 2019 على الأقل. ولكن حينها ستكون السياسة الأمريكية معتمدة على النية الحسنة للسعودية وروسيا، وهما الدولتان اللتان من شأنهما أن تكسبا جيداً من ارتفاع أسعار النفط، ومن أجل تعاونهما سيتم الطلب من الولايات المتحدة بأن تدفع بعملة سياسية ليست رخيصة، التي معناها تخفيف العقوبات المفروضة على روسيا ومساعدة السعودية في إخفاء قضية قتل الصحافي جمال الخاشقجي.

خلاف بولتون والخارجية

في الوقت نفسه، نشأ في الإدارة الأمريكية خلاف بين مستشار الأمن القومي جون بولتون الذي يطالب بفرض عقوبات مشددة بدون تنازلات (باستثناء استيراد الغذاء والدواء)، في حين أن وزارة الخارجية تؤيد تخفيفاً ما في حجم تصدير النفط الإيراني لمنع المس بدول صديقة للولايات المتحدة بسبب الزيادة المتوقعة في أسعار الوقود. خفف بولتون اللهجة هذا الأسبوع عندما قال إن «الولايات المتحدة لا تريد المس بدول صديقة، وكما يبدو لا نستطيع الذهاب حتى النهاية مع العقوبات» ـ أي الوصول إلى منع مطلق لاستيراد النفط من إيران. كذلك وزير المالية ستيفن ملوتشن الذي يؤيد العقوبات المشددة يقترح عدم فصل إيران عن نظام السويفت ـ من أجل أن تستطيع الاستعانة به لشراء المنتوجات الأساسية والأدوية ـ وبهذا إبراز المبدأ القائل بأن العقوبات موجهة ضد النظام وليس ضد الشعب الإيراني.
إلا أن هذا الادعاء ينطوي على تناقض، فالعقوبات ضد النظام هي عقوبات ضد الشعب، والعكس صحيح. إذا كان الهدف هو أن يثور الشعب ضد النظام فإن كل تخفيف في العقوبات سيهدئ الانتفاضة المأمولة. هذا الخلاف والتناقض يشيران إلى أن الإدارة نفسها لا تعرف بالضبط ما الذي تريد تحقيقه من خلال العقوبات، وعلى الأقل لا تعرف كيفية تسوية الفجوة بين الرغبة في ليّ ذراع إيران وبين عدم الرغبة بالمس بحلفائها. أحد الاحتمالات هو الاستجابة لطلب عدد من الدول مثل الهند وتركيا التي طالبت بالإعفاء من العقوبات. من أجل إقناع الإدارة بمنح الإعفاء هذا قامت وبصورة كبيرة بتقليص حجم شراء النفط من إيران. الهند التي اشترت حتى الآن 500 ألف برميل يومياً قلصت الشراء في الأسابيع الأخيرة بحوالي الثلث. وهكذا فعلت أيضاً تركيا، المشترية الثالثة من حيث حجمها. ولكنهما لم تتعهدا بوقف التجارة تماماً مع إيران.

اعفاءات من الالتزام بالعقوبات

هكذا، في يوم الأربعاء، حظيت الهند بإعفاء جزئي من العقوبات، وهي تستطيع الاستمرار بشراء مليون ونصف مليون طن من النفط شهرياً. وحوالي نصف المدفوعات مقابل النفط ستتم بالروبية والنصف الآخر باليورو. والدفع بالروبية سيستخدم قاعدة لاحتساب الاستيراد الإيراني من الهند لمنتجات استهلاكية ولن يدفع كمدفوعات نقدية لإيران. بهذا شرحت الهند للولايات المتحدة بأن إيران لن تتمكن من استخدام هذه الأموال لأغراض عسكرية، كذلك الصين التي تشتري حوالي 800 ألف برميل يومياً قلصت كمية شرائها، لكنها أوضحت حتى الآن بأنها لا تستطيع أن تسمح لنفسها بتجميده، لأنه حسب رأيها ليس هناك ما يكفي من النفط في العالم يستطيع سد العجز الذي سينشأ.

أمريكا لا تعرف كيفية جسر الفجوة بين ليّ ذراع طهران والخوف من المسّ بحلفائها

إذا وافقت الولايات المتحدة على منح الإعفاء، أو الإعفاء الجزئي لهذه الدول، وإذا اضطرت لمواجهة مع موقف صيني قوي ضد العقوبات، فالنتيجة ستكون أن إيران ستضطر إلى تقليص نحو مليون من المليون ونصف برميل التي تبيعها. بهذا ستكون في وضع أفضل حتى من الوضع الذي كانت فيه في فترة العقوبات التي فرضت عليها من قبل الرئيس اوباما قبل التوقيع على الاتفاق النووي. هنا يكمن جذر التقدير الذي يقول إن ترامب لن يتنازل ولن يتساهل من أجل أن لا يظهر بأن الرئيس أكثر ليونة من سلفه.

مسار يلتف على العقوبات

في الوقت نفسه، تتواصل المحادثات بين الهند وإيران والصين وروسيا لفتح مسار يلتف على قناة السويس لغرض نقل البضائع من الهند عبر مطار شهبهار في إيران إلى الصين وروسيا، وهو مسار سيوفر 30 في المئة من تكاليف النقل الحالية، الذي يمر عبر قناة السويس. وتنوي الهند استثمار 500 مليون دولار في الميناء في إيران، ويبدو أنه عندما سيتم افتتاح هذا المسار فهو سيستخدم كطريق التفافي على العقوبات المفروضة على إيران.
هذه الاعتبارات لا تعفي إيران من الاستعداد قبيل فرض العقوبات. في البرلمان الإيراني يبحثون في هذه الأيام اقتراحات لملء خزينة الدولة من أجل تليين الصعوبات المالية المنتظرة في أعقاب فرض العقوبات. وأحد الاقتراحات هو تحديد حصص من الوقود للمستهلكين ـ عن كل استهلاك يتجاوزها يتم إلزام المستهلك بسعر أعلى. إلا أن الفجوات بين السعر الرسمي الذي يبلغ 0.24 دولار للتر (مقابل المتوسط العالمي الذي يبلغ 1.17 دولار للتر) وبين الإضافة التي يريدون فرضها بنسبة 0.12 دولار للتر، أقل من أن تثمر إضافة هامة للمداخيل.
اقتراح آخر هو رفع أسعار الوقود للجميع بدون حصص، ولكن سياسياً يبدو أنه اقتراح يثير احتجاجاً خطيراً. تأمل إيران بأن المخطط الذي تعده دول الاتحاد الأوروبي من أجل الالتفاف على العقوبات البنكية الأمريكية سيبقي لها قناة تمويل يمكنها من شراء منتجات تتجاوز ما ستسمح به العقوبات الأمريكية. ولكن هذا المخطط لم يستكمل بعد، وكذلك نجاعة القوانين الأوروبية التي يتوقع أن تعاقب شركات تخضع للعقوبات الأمريكية، لا تضمن أي شيء؛ حيث إن الشركات ستقوم بحساب اعتباراتها الاقتصادية وستزن إذا ما كان من الأفضل أن تعاقب من قبل الولايات المتحدة أو من قبل القانون الأوروبي. الكشف عن محاولة تنفيذ عملية في الدانمارك من قبل المخابرات الإيرانية ضد أحد نشطاء حركة المقاومة للأقلية العربية في إيران، وضع هذا الأسبوع الجمهورية الإسلامية أمام مشكلة جديدة. الدانمارك غيرت موقفها وهي لا تطلب فرض عقوبات على إيران فحسب، بل تحاول إقناع الدول الأوروبية الأخرى بالانضمام إلى العقوبات الأمريكية.

التنجيد الإيراني

طبقة التنجيد الهامة توجد في احتياطي العملة الصعبة لإيران، التي تقدر بأكثر من 100 مليار دولار. المشكلة هي أن الأموال تدار في بنوك من شأنها أن تتضرر إذا سمحوا لإيران باستخدام أموالها لأغراض غير مسموح بها حسب العقوبات. رغم تصريح نائب الرئيس اسحق جهنجيري الذي يقول «إيران مستعدة لكل سيناريو»، وحتى البرلمان صادق مؤخراً على استبدال وزراء الاقتصاد في حكومة حسن روحاني، وإنه من المشكوك فيه إذا ما كان هؤلاء الوزراء سيتمكنون من توفير مادة سحرية تنقذ إيران من شرك العقوبات. روحاني قد يكون راضياً من أن حرس الثورة قرر بيع أسهمه في شركة الهواتف المحمولة الحكومية، بناء على تعليمات من الخميني.
وأعلن الجيش كذلك أنه سيخرج تدريجياً من تدخله في اقتصاد الدولة، وهذه طلبات وضعها روحاني منذ انتخابه للرئاسة. كما أنه أظهر ثقة شخصية عندما أعلن أن إيران انتصرت على الولايات المتحدة، لأن «حلفاء أمريكا في أوروبا تخلوا عنها، ومن كان يعتقد أن أوروبا ستقف إلى جانب إيران ضد الولايات المتحدة»؛ ولكنه سيكون عليه اتخاذ خطوات دراماتيكية أكبر من شأنها أن تجبي ثمناً سياسياً ثقيلاً منه ومن النظام كله.
تحولت إيران إلى راية ورأس سهم لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وفي العالم. ومن بين الاتفاقات والتفاهمات التي دمرها ترامب، سواء بسحقها أو الانسحاب منها، فإن الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران هو الأكثر أهمية والأكثر تأثيراً والأكثر خطراً. فأكثر من قصة الغرام الكاذبة التي أدارها مع كوريا الشمالية، ومن نقل السفارة إلى القدس، ومن انسحابه من اليونسكو، ومن المس بالأونروا، ومن التخاصم مع كندا والمكسيك، فإن قدرته كرئيس مرهونة باختبار نجاحه أو فشله في العقوبات على إيران. ترامب لا يخاف من الانقسام الذي وجدت معظم دول العالم نفسها فيه حول استمرار الاتفاق النووي، لقد استخف بالاتحاد الأوروبي، وعزل الولايات المتحدة، وعزز الكتلة المعادية التي تضم روسيا والصين بأكثر مما هددت إيران السلام العالمي بعد الاتفاق النووي، وتحولت إلى الفصل الأساسي في الأيديويوجيا الأمريكية الجديدة من إنتاج ترامب الذي سيحاول البدء بالانقلاب يوم الأحد القادم.

تسفي برئيل
هآرتس 2/11/2018

المقال كاملا من المصدر اضغط هنا

Essa

- Advertisement -



إقرأ المزيد