عن اتهامات بتورّط الفيلسوف الفرنسيّ في ممارسات بيدوفيليّة: النّص «الفوكوي» في مواجهة زمن الردّة
الأخبار -
بينما كان الفوكويّون أو الفوكولوديان ـــــ أي مريدو الفيلسوف الفرنسيّ الجدلي بامتياز ميشال فوكو (1926 ــــ 1984) ـــ في العالم الأنغلوفوني يحتفلون لتوّهم بصدور النسخة الإنكليزية من «اعترافات الجسد»، الجزء الرابع من مشروعه النظريّ الأخير «تاريخ الجنسانيّة» الذي نُشر خلافاً لوصيّة مؤلفه بعد 35 عاماً من غيابه، باغتهم كاتب فرنسيّ يمينيّ متأمرك معروف بتطرفاته العنصريّة المسرفة بزعمه أن فوكو كان بيدوفيليّاً، مارس الجنس مع أطفال توانسة قصّر عام 1969 إبّان إقامته في قرية سيدي بو سعيد بالقرب من تونس العاصمة.

غاي سورمان الذي يبلغ 77 عاماً، كان لتوّه قد أثار عاصفة في قلب الانتليجسيا الفرنسيّة بعدما نشر تلك المزاعم في كتاب له صدر حديثاً، وأعاد التأكيد عليها في برنامج حوار تلفزيوني ومقابلة مع «صنداي تايمز» البريطانيّة (يمين)، مدعياً أنّه زار فوكو في تونس مع آخرين خلال رحلة لقضاء عطلة عيد الفصح، وأنّ أطفالاً صغاراً بين الثامنة والعاشرة كانوا يتراكضون خلف فوكو الذي كان يرمي المال عليهم، قائلاً لهم: «دعونا نلتقي في العاشرة مساءً في المكان المعتاد». اتضح له – أي سوران دائماً - أنّ المكان المعتاد الذي قصده فوكو لم يكن سوى المقبرة المحلية، «حيث كان يمارس الجنس مع الصبية الصغار بين شواهد القبور».
سورمان الذي لا يخفي تحامله على فوكو، قارنه بالرّسام الانطباعي بول غوغان الذي قيل إنه مارس الجنس مع فتيات صغيرات رسمهن في تاهيتي، وأندريه جيد، الروائي الذي اعتاد معاشرة القصّر في أفريقيا، مشيراً إلى اعتقاده بوجود «بعد استعماري لهذه السلوكيّات، كجزء من الإمبريالية البيضاء. إذ أنّ فوكو لم يكن ليجرؤ على القيام بذلك في فرنسا». تظاهر سورمان بالندم لأنّه لم يبلّغ الشرطة في حينه، ووصف انتظاره كل هذا الوقت للكشف عن المسألة بالموقف «القبيح أخلاقيّاً». لكنّه برّر الأمر بأنّ «صحافيين فرنسيين رافقوه خلال تلك الرّحلة، وأن ثمة شهوداً كثيرين علموا ببيدوفوليّات فوكو، لكن لا أحد كان ليُقدم على المسّ بسمعة «الفيلسوف – الملك» الذي اعتبرناه بمثابة إله للمثقفين في فرنسا الستينيّات والسبعينيّات».
وعلى الرّغم من أن فوكو لم يتقصّد يوماً إخفاء ميوله المثليّة، وانخرط علناً في دوائر الجنس السادو-مازوشي في أميركا، وترك أملاكه وأوراقه لشريكه المثليّ، وتوفي لاحقاً نتيجة مضاعفات إصابته بالإيدز الذي فتك بجيل كامل من المثليين خلال عقد الثمانينيات، فإن كتّاب سيرته لم يذكروا أيّ شيء عن مغامرات بيدوفيليّة، وإن أدانته قطاعات من الفرنسيين المحافظين بعدما وقّع عريضة مرتبطة بقضيّة محدّدة (عام 1977) دعت إلى إضفاء الشرعية على ممارسة الجنس بالرضى مع الأطفال منذ سنّ الثالثة عشرة. وهي للحقيقة مسألة واسعة الانتشار في البورجوازيّات الأوروبيّة، حينها على الأقلّ، وحتى الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون كان في الخامسة عشرة من العمر عندما أقامت معه معلمته الأربعينيّة المتزوّجة علاقة جنسيّة كاملة، قبل أن تصبح لاحقاً زوجته والسيّدة الأولى للبلاد.

تجاوزنا منذ «موت المؤلّف» كل مفهوم رجعيّ عن المؤلّف/ الشخص، ولم يعد بذي قيمة أيّ جدل يتخذ من المثقّف النظري موضوعاً لذاته


بالطبع، دوافع سورمان في التّجني على كاتب لا يملك القدرة على الدّفاع عن نفسه بعدما مرّ زمن يستعصي معه موضوعيّاً معرفة الحقيقة، قد لا تخرج عن دناءة مؤّلف هامشيّ آخر يحاول القفز إلى دائرة الضوء (وأرقام المبيع) عبر التسلّق على الحياة الشخصيّة لأيقونة فكريّة وإثارة جدل أخلاقيّ الطابع بشأنها. كما تأتي في سياق فرنسي متعاظم خلال السنوات الخمس الأخيرة للإثراء من مذكرات ضحيّات سابقات لمثقفين معروفين أغووهنّ أو اعتدوا عليهنّ جنسيّاً، وهنّ دون السنّ القانونيّة. لكن بغير الجدل المحليّ في فرنسا بشأن تحديد القانوني من غيره في ما يتعلّق بممارسة الجنس مع الأطفال، وبغير تناقض شهادة سورمان مع حقيقة أنّ فوكو ترك تونس نهاية 1968 والتحق بوظيفة جامعيّة في باريس بداية من كانون الثاني (يناير) 1969، فإنّ السؤال المطروح علينا ـــ كقرّاء لفوكو ـــ الآن هو في قيمة هذه الاتهامات الملتبسة الموجّهة لمطلق الشخص – الغائب أصلاً – تجاه مجموع نتاجه الفكريّ ومنهجيته البحثيّة المتسمين بشدة الرّاهنيّة والارتباط بكل تحليل ونقد ذي قيمة لبنية السّلطة وتطورها التاريخيّ انتهاء إلى «الدولة» في الرأسماليّة المتأخرة. فهل يفترض السيّد سورمان بأنّه بإطلاق المهاترات المطلقة على عواهنها بحق فوكو ينقض من قيمة كتاباته ومساهماته النظريّة بأيّ صيغة؟
افتراءات سورمان غير المؤكدّة لا تدين الفيلسوف الراحل على المستوى الأخلاقي – مع رفض مطلق لأي مساس بالأطفال جنسيّاً تحت أي مبررات – ولا تسيء إلى نصوصه، بقدر ما تكشف عن ردّة قروسطيّة الهوى، وانحطاط ثقافيّ عام مسّ منذ بعض الوقت النخب الغربيّة المندرجة في هيكليّات الأنظمة الفاشيّة المموّهة ديمقراطيّات، وتعرّي تهافت سلاح الإلغاء واغتيال الشخصيّات واستدعاء الهستيريات الجماعيّة الذي تشهره تلك النخب ضدّ كل من خرج/ يخرج عن تعاليم كهنة قضاة نصّبوا ذواتهم المتورمة صلفاً مرجعيّات فوقيّة أدرى بالمصلحة العامة للجمهور (غير الرّاشد) ، وتقرر عنّه، كأنّه قاصر، المصادر التي ينبغي له تفاديها كي لا يقع في المحرّم والمدنّس والمهرطق والمحظور.
إنّ كلّ ادعاءات مُلحقة حكماً بفهم مجتزأ ولحظي وانتقائي للأخلاقيّات بأدوات محض شخصانيّة كغطاء لاستهداف الأفكار المشاغبة ضدّ أوضاع قائمة هي التي تستحق كل إدانة وتشهير، وأصبحت علامة على انغلاق أصحابها وارتكاسهم توهماً في دوائر امتلاك الطهرانيّة واحتكار الرّشاد. لقد تجاوزنا منذ «موت المؤلّف» كل مفهوم رجعيّ عن المؤلّف/ الشخص، ولم يعد بذي قيمة أيّ جدل يتخذ من المثقّف النظري موضوعاً لذاته أو يعتبره ناطقاً باسم النظريّة أو يقرأه ممثلاً حصريّاً مجسّداً لها، في مقابل التعامل مع النصّ ابن لحظته التاريخيّة وسياقه الحضاريّ كنتاج مشرّع للمحاكمة العلنيّة في كل وقت ومفتوح على كل قراءة وتأويل ومساءلة للمسكوت عنه حتّى قبل المنطوق فيه، دائماً بدون البحث في هفوات الكاتب الفرد - وميوله الجنسيّة وانحيازاته الأخلاقيّة – وفق معاييرنا الذاتيّة. فما يهمنا في نهاية المطاف ليس المؤلف ذاته، بل نتاجه الفكريّ العلنيّ وأدواته النقديّة التي تركها. إذ «لم يعد هناك من مؤلّف يمثّل الفكرة، ولا يوجد أمامنا سوى النصّ. والنصّ ابن النّظرية، والنظريّة من الناحية العملية نتاج التبادلات الفكريّة المتتابعة أو الشبكات»، وفق ما يقول دولوز.
لعل أبلغ ردّ على سومان وأمثاله من دعاة الإلغاء والمتاجرين بالمعايير الأخلاقيّة أتى من فوكو نفسه، الذي سخر ضمنيّاً في «اعترافات الجسد» من تلك الدّعوات الدينيّة القروسطيّة لتسليم الذات إلى مرشدين روحيين يحددون الصواب من الخطأ، ويقبلون الاعترافات، بحجّة الخطيئة الأصليّة وتغلّب النّزعات الحيوانيّة والشيطانيّة على البشر. لقد كان هؤلاء المرشدون المزعومون دوماً مخبرين محليين عند كل سلطة مهيمنة.



«اعترافات الجسد» بالإنكليزيّة
كان ميشال فوكو حاسماً في رغبته بعدم نشر أيّ من كتاباته بعد وفاته وترك رسالة صارمة في هذا الخصوص. لكنّ ورثته - بمن فيهم شريكه - توصّلوا إلى قناعة بأنّ نصّ الجزء الرّابع مع مشروعه في «تاريخ الجنسانيّة» الذي كان يعمل عليه المفكّر الراحل لمّا أصابه مرض الموت ولم يُنشر، يبدو مكتملاً إلى حدّ كبير، وأن مقارنة للتعديلات بين النسخ الثلاث التي تركها كافية لمنح جمهور أوسع من الباحثين المتخصّصين فرصة مطالعته مطبوعاً. وبالفعل صدرت طبعة محررة بالفرنسيّة في عام 2018 (دار غاليمار)، ولحقتها في آذار (مارس) الماضي ترجمة إلى الإنكليزيّة (كلاسيكيّات بينغوين)، حملت عنوان «اعترافات الجسد».
خصّص فوكو هذا الجزء من مشروعه البحثي الأخير – المتعلّق باستكشاف الحياة الجنسية عبر الحقب التاريخيّة المختلفة – لمرحلة تشكّل الفكر المسيحي في البدايات. وكانت الأجزاء الثلاثة التي نشرها قبل وفاته بحثت في الحياة الجنسية خلال الفترة الحديثة من القرن السابع عشر لغاية منتصف القرن العشرين، واليونان القديمة، والعالم الروماني. وفي كلّ من تلك الأجزاء، كان فوكو ينقّب في الكيفيّة التي تعاملت معها أنواع السلطات التاريخيّة مع العلاقات الجنسيّة، وكيف أصبح الجنس موضوعاً للتقصّي العلمي ومساحة للانشغالات الأخلاقيّة. وقد لقي صدور «اعترافات الجسد» ترحيباً واسعاً من قبل المهتمين عموماً بأفكار فوكو ومنهجيته في البحث، ولا سيّما في ما يتعلّق بالعلاقة الجدليّة بين السلطة والجسد، وسيعني أيضاً الباحثين في تاريخ تطور الممارسة المسيحيّة في بداياتها الأولى، سيّما لناحية المضمون الجنسيّ لطقوسها.
يحلل فوكو في الفصل الأوّل أفكار كليمنت السّكندري الأشبه بنسخ نصرانيّة من المفاهيم الرواقيّة الكلاسيكيّة التي رأت الحياة الجنسيّة انعكاساً لنوازع حيوانيّة عميقة، غير عقلانيّة وغير منضبطة، وينبغي أن توضع تحت الحظر والتحكّم، فيما يشرع في الفصل الثاني بتفكيك مفهوم «التحوّل» المسيحيّ عبر قراءة معمّقة لطقوس العماد بوصفها أداة لقمع قوّة الحياة الجنسيّة (الغادرة). ويستكمل في فصول تالية قراءة طقوس «التوبة»، و«الندم» كطرائق لكبح النبض الفطري الحيواني الطابع، ثم بحثين مطوّلين في «العذريّة» كأمل في إقصاء المشاعر الجنسيّة المتفلتة، و«الزواج» كصيغة حل وسط مع تلك المشاعر. في هذه القراءات للطقس المسيحيّ بأشكاله، يضع فوكو بصمته الخاصّة على فكرة الطقوس الروتينيّة الروحية في العالم القديم حيث الذّات كأحجية لا يمكن فهمها إلا نتيجة حوار مع شريك مؤتمن، ودور التمارين التأمليّة والجسدية في تهذيب الذات وإعدادها للتحوّل في المستقبل. ويرى فوكو أن هنالك ميلاً تطوّر على مدى القرون المسيحية الأولى باتجاه فكرة القديس أوغسطين بشأن «الخطيئة الأصلية»، وتلك القوة الحيويّة في داخلنا (الحياة الجنسية) التي تتجاوز الوعي وربّما تتسبب في وقوع البشر في خطايا كالغرور والاعتداد بالذات، وبالتالي ضرورة تقبّل مفهوم ضرورة تسليم قيادنا إلى مرشد روحيّ كي يتسنّى لنا بأن نبدأ محاولة السّيطرة على نوازع النّفس.
لقد ثوّر فوكو من خلال مشروعه لتأريخ الحياة الجنسية، الطريقة التي نفكر بها الآن بشأن السّلطة والذّات والملذّات الجسديّة والعلاقات الجنسيّة، وطرح مفهوم أن الحياة الجنسية للأفراد تتشكّل بمعظمها من خلال هياكل وديناميّات السلطة المهيمنة. «اعترافات الجسد» بجزئه الرابع، كان ضروريّاً بشكل خاص لفهم نموذج السّلطة في المجتمعات الغربيّة التي شكّلت الثقافة اليهومسيحيّة خلفيّةً مهمة لها ولا تزال رغم كلّ الرّطانة بشأن الدولة العلمانيّة وتشريعات حقوق الإنسان، والانتصار المزعوم للعقل العلميّ على إيديولوجيّات الوهم.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا



إقرأ المزيد