الصقيعُ الآتي من الشرق
الميادين -

"قانا" في سوريا اسم مدرسة؛ مدرسة للأطفال تحديداً. ترى كم من الأمهات الآن يفتقدن أطفالهن ممن قضوا في الحرب على هذا البلد الجميل؟ وهل تعادل المدارس والشوارع الموجودة أعداد القرى والمدن التي سُفِك دم أبنائها على ترابها؟.

  • الصقيعُ الآتي من الشرق

أفقت متأخراً صباح ذلك اليوم، على غير عادتي عندما أزور سوريا، بعد ليلة مليئة بالهذيان والمنامات المزعجة. بدلت ملابسي على عجلٍ، وخرجت مسرعاً لممارسة طقوس الصباح، فحلب، بالنسبة إليَّ، هي مدينة الطاقة والحياة وفرصة للنشاط أحبّ أن تتكرر دوماً.

لم تغيّر الحرب شعوري هذا. الشمسُ في الخارج تبعث موجاتٍ من الدفء المتقطع بين لفحات الهواء البارد. لا غيوم رمادية في السماء. عصافيرُ حلب تُغرّدُ في عرض متواصل. في حلب، يمسي النوم واجباً يُستحب التفلّت منه. وللاستيقاظ الباكر فرحةٌ تُعادلُ فرحة طفلٍ موعودٍ برحلةٍ مدرسية.

بعد ممارسة رياضة المشي، قصدتُ مقهى قريباً لاحتساء القهوة. عند ناصية كلّ شارع، نُصبت لوحةٌ زرقاء كُتبَ فيها اسم الشّارع أسفل اسم المنطقة. شارع الورود حيث يقع المقهى تجاورهُ شوارع الندى والسرو والصفصاف. هنا الشوارع مُكناة بعناصر الحياة، وتغيب عنها في الغالب الأسماء الغريبة. في شارع الورود، مررتُ بمدرستين متجاورتين لفتتني تسميتهما، ووقفت أحدّق بالاسمين جيداً لما لهما من دلالات. بداية عند مدرسة "قانا"، حضرت في رأسي صورٌ ما زالت تُدمي الذاكرة؛ أشلاء أطفالٍ منثورة فوق جثث الآباء والأمهات، جندي من الكتيبة الفيجية يحملُ طفلاً بلا رأس ويصرخ، ودخانٌ أسود يلفُ المكان. قانا الجليل، القرية الوداعة في جنوب لبنان، موطني الذي عشتُ فيه على التوالي مرارة الاحتلال والفقد وفرحة التحرير ونشوة النصر الكبير في تموز من صيف العام 2006.

كان لبيتنا نصيبٌ من حرب نيسان. شقيقي الأكبر حسن كان على الجبهة. وإلى جانب دوره في المقاومة، كان يقوم بإيصال الخبز والطعام إلى المواطنين في القرى الأمامية. وفي اليوم الثالث من المعركة، كان في مهمة تستدعي أن يتنقل بالسيارة. أنجز مهمتهُ. وفي طريق عودته، كانت طائرة مروحية إسرائيلية تكمن له خلف تلة مقابلة للطريق التي يسلكها إلى خارج القرية. قصفت الطائرة سيارته. نجا من القصف، ولجأ برفقة زميلهِ المريض إلى الكروم المجاورة أسفل الطريق. لاحقتهم الطائرة بالرصاص المتفجر.

بعد ثلاثة أيام، وجد حسن في طرف أحد المنازل القريبة، مُمدّداً على الأرض وزميلهُ أحمد في حجره. كنت طفلاً يومها، لا أفقهُ من الموت سوى أنَّني لن أرى أخي الأكبر بعد اليوم، ولن أحصل على النقودِ وثياب العيد مجدّداً. ما زال صوت أبي يتردد في ذاكرتي مساء اليوم الذي أبلغنا فيه باستشهاد أخي، وهو يقول بصوتٍ مخنوق مصحوب بالبكاء: "راح حسن راح حسن".

لقد أصابه اليتمُ برحيل بِكرِه، وأصاب بيتنا كلّه. ما زالت أمي إلى اليوم تحكي لي عن حياة ولدها وعن شهادته وما رافقها من أحداث، وفي ذاكرتها الكثير من الحكايا التي لم تُفصح إلا عن القليل منها. أخبرتني مؤخراً أنها، ولسبب تجهلهُ، لم تدع لولدها في ذلك اليوم بالدعاء الذي كانت تدعوه كل يوم له. "لم أنسَ. شيءٌ ما منعني عن الدعاء يوم شهادة أخيك"، قالت وفي عينيها ما يوحي لي بأنها تعلم، لكنهُ واحدٌ من أسرار أمي الكثيرة، حتى الدعاء الذي كانت تردّده احتفظت به لنفسها.

أكملتُ سيري وفي قلبي غصةُ الذكرى، وحدّثت نفسي: "قانا" في سوريا اسم مدرسة؛ مدرسة للأطفال تحديداً. ترى كم من الأمهات الآن يفتقدن أطفالهن ممن قضوا في الحرب على هذا البلد الجميل؟ وهل تعادل المدارس والشوارع الموجودة أعداد القرى والمدن التي سُفِك دم أبنائها على ترابها، كي نخلّد ذكرهم بتسمية مدرسة أو شارع على اسمهم؟ كم من الآباء كان حالهم كحال أبي لحظة تلقيهم خبر استشهاد أبنائهم، نحراً أو حرقاً أو إعداماً بالرصاص في ساحة عامة بعد حصار وصمود!

تقدَّمت ببطء بضعة أمتارٍ باتجاه المدرسة المجاورة. اللوحة التي تعلو بوّابتها تحمل اسم "مدرسة الشهيدة دلال المغربي". لم أستغرب أن تحمل شوارع حلب ومدارسها هذه التسميات، فمعظم شوارع المدينة وأحيائها تحملُ أسماء جميلة ذات معاني ودلالات، لكني عدتُ إلى بداية الشارع، وارتسم أمامي خطٌ مستقيم يختصرُ تاريخاً، بدءاً بالمقهى وشارع الورود والشعور الجميل الذي انتابني، وصولاً إلى مدرسة قانا التي انتزعت لبرهة مني هذا الشعور، وسرعان ما استعدتهُ بعد وقوفي أمام المدرسة المسماة باسم المناضلة دلال المغربي.

أكملتُ طريقي وأنا أحدّث نفسي بما رأيت في الدقائق القليلة التي مرّت عليّ. حديثٌ تراوح بين أسئلة وإجابات كانت وافيةً لألملم المشهد المترامي بين هذا الشارع وباقي الأحياء والشوارع التي مررتُ بها في المدينة الشاهدة على فجر التاريخ. خرق حديثي قدوم طفلة جميلةٍ في السادسة من عمرها، يتدلى من رأسها جديلتان لمعتا أمامي بعين الشمس كسلاسل الذهب. أتت إلى دكان والدها حيث أشرب القهوة. اسمها يارا، قال أبو حسن. أزهرت خجلاً حين دعوتها للاقتراب مني كي أسلّم عليها، ولم يغلب خجلها دعوة أبيها لذلك. أخذت الزاد والحلوى، وانطلقت نحو مدرستها.

كان "أبو حسن" يخبر شُبّاناً جالسين إلى جانبي يحتسون القهوة بأن ولدهُ استشهد في الحرب. لم يُسعفني الوقت حينها كي أسألهُ أكثر عن الحادثة. لاحقاً، أخبرني شقيقُ زوجته أنه معلمُ مدرسة في الريف. كان وأولادهُ يذهبون سوياً إلى المدرسة.

ذات يوم، وفي طريق عودته إلى المنزل، تفاجأ بالمسلّحين يقطعون الطريق أمامه. لم يستطع الفرار من المكان. أطلق المسلحون النار من رشاشاتهم الحربيّة على السيارة. أصيب أبو حسن وابنتهُ ريان، لكن رصاصة استقرّت في رأس وحيده حسن ذي السنوات السبع واستشهد على الفور.

تابع "أبو صطيف"، خال حسن وريان، كلامه: "رفض أبو حسن تسجيل ولده في قائمة الشهداء، فهو لا يريد الحصول على امتيازات أو مساعدات بدمّ وحيده". أقنعتهُ مؤخراً بأن يفعل، فذهب غيرَ راضٍ تماماً. "لقد دفن أبو حسن ولده ووالدهُ إلى جانب بعضهما البعض. قضى والدهُ بانفجار شمال البلاد. كانت أياماً مريرة على أبي حسن وزوجته"، ختم أبو صطيف.

"عدتُ إلى المشهد الذي ازداد وضوحاً، وبدا كلوحةٍ رُسمت بريشة الوطن. أهله حاضرون في اللوحة، صامدون وشهداء، ويبعثون فيها الحياة. بدا كمدرسة بلا دوام، غير محددة بالصفوف والجدران. تدّرس منهج دلال المغربي حين حملت مشعل كمال عدوان في مدينة اللدّ المحتلّة، في عملية ما زالت حاضرة تتناقلها الأجيال. خلتُ أنّ يحيى الشغري ربما قد درس هنا أو وصلهُ الدرس حيث كان، واستعاده في لحظة الموت المحتّم بموقف "والله لنمحيها"، وصار يحيى مدرسةً؛ مدرسة آلاف الشهداء. هكذا تُتوارثُ علوم الفداء هنا. هكذا يصنعُ جيلٌ أمان أجيالٍ لاحقة تحفظُهُ".

وصلتُ إلى منزل صديقي حيثُ كنت أقيم خلال زيارتي، وأنا أردّدُ بصوت خافت: "أنا أحمد العربي، فليأتِ الحصار. جسدي هو الأسوار... وأنا حدود النار...".

قبل أن أقفل باب البيت، رأيت رجلاً يدخل إلى المبنى حاملاً "بيدون" فارغاً، وعلى وجهه علامات الخيبة: "يا جار، لم أوفّق في الحصول على المازوت والجو بارد".

شعرتُ بالفرح عندما ناداني بالجار. لم يكترث للهجتي المختلفة. "ربما أخبرَ صديقي جارهُ عني"، قلت في سرّي، لكن فرحتي بددتها غصة الرجل حين تكلّم. أحسست بمرارته، وبالصقيع ينخر عظام أطفاله. خلتهُ صقيعاً آتياً من الشرق، حيث تنتصبُ فوق آبار النفط السوري أعلامٌ غريبة ملونةٌ، وفي خباياها راياتٌ سوداء.

دخلتُ إلى المنزل من دون أن أقفل الباب، ورحت أكمل قصيدة درويش: "يا أحمد العربيّ... قاوم! لا وقت للمنفى وأغنيتي... سنذهب في الحصار، حتى رصيف الخبز والأمواج، تلك مساحتي ومساحة الوطن المُلازِم، موتٌ أمام الحُلمِ أو حلم يموتُ على الشعار...".



إقرأ المزيد