كورونا لبنان لا يشبه إلّا السيناريو اللبناني (د.جيرار ديب)
موقع التيار -


أوضح نقيب مستوردي الأدوية في لبنان كريم جبارة، أنّ مخزون بعض الأدوية ليس كافيًا، كتلك التي يتمّ تناولها لتخفيف أعراض كورونا. وأردف قائلًا أنّ شحّها يعود إلى عدم توافر الدولار، لأنها تدخل ضمن الأدوية التي يدعمها مصرف لبنان عبر تأمين دولار استيرادها على أساس السعر الرسمي البالغ 1515.
 
وضعُ لبنان في ظلّ انتشار وباء كورونا لا يشبه إلا لبنان، فالسيناريو الإيطالي الذي يتخوّف البعض من تكراره، لن يحصل. فإنّ لبنان يعيش اليوم السيناريو اللبناني الذي قد نشهد تطبيقه على دول نامية، تعيش كما يعيش لبنان، هذا طبعًا إن وجدت على هذه الأرض.
 
الحرب الأهلية التي عاشها لبنان، من عام 1975، والتي كانت أولى شراراتها بوسطة عين الرمانة، كانت نهايتها في اتفاق الزعماء والمسؤولين اللبنانيين في مدينة الطائف السعودية عام 1990، حيث استنبط يومها نموذج عرف ب"اللبننة"، وطبّق بعدها في أكثر من دولة، والعراق واحدة منها.
اللبننة، هو المفهوم الذي انتشر بين دوائر القرار لتطبيقه على النزاع في الشرق الأوسط والعالم حيث النزاعات الدائمة. لقد عمل وزير خارجية أميركا، هنري كسينجر، في ستينات القرن الماضي، على إشعال الحرب الطائفية بين مكونات هذا البلد. فلكي نسيطر على بلد نريد احتلاله، علينا اللعب على الوتر الطائفي إن كان متعدّد الطوائف، أو على الوتر الإثني أو العنصري أو غيره إن وجد. هذه هي نظرية "اللبننة"، التي استنتجت من الحرب الأهلية في لبنان، وباتت سياسة جاهزة لتستنسخ على كلّ بلد شبيه بلبنان.
 
بالعودة إلى انتشار وباء كورونا في لبنان، نستطيع أن نطلق عليه "السيناريو اللبناني" من دون منافس، إذ للمرة الأولى منذ نحو عام يرى اللبنانيون مشاهد غير مألوفة على أبواب المستشفيات. لا مكان لمرضى كورونا، والمحظوظ منهم عولج في سيارته أو على قارعة الطريق. وفي ظلّ قساوة المشهد، ومأساته، وخطورته على الواقع الطبي، وصل الإستهتار حدّ ارتياد الشواطئ للسباحة، والكورنيش البحري في المدن الساحلية للمشي، وممارسة شتى أنواع الرياضات الجماعية في المناطق الجبلية. هذا في تحدٍ واضح، لرفض اللبناني الإلتزام بتطبيق قرار الإغلاق التام الذي أخذته حكومة تصريف الأعمال.
 
وفي سياق متّصل، كشف نقيب المستشفيات الخاصة، سليمان هارون، عن وجود 1260 سرير في غرف العناية الفائقة، لكن 400 منها فقط مجهزة تجهيزًا كاملًا للكورونا، والمشكلة بارتفاع عدد الإصابات وحاجة 40 في المئة من المصابين للعناية الفائقة، في حين أنّ كلفة تجهيز كل غرفة هي 60 ألف و350 دولار أميركي في بلد يشهد شحًا واضحًا في العملة الأميركية.
 
إذًا، يبقى السؤال: لماذا يمكن تسميته بالسيناريو اللبناني الذي لا يشبه أي سيناريو في العالم، لا سيما الإيطالي؟ 
 
عندما شهد العالم مأساة انتشار كورونا في إيطاليا، وأمام التصريح المريع لرئيس وزرائها، جوزيبي كونتي، "انتهت حلول الأرض، الأمر متروك للسماء"، في إعلان واضح عن الإستسلام التام، وفقدان السيطرة على احتواء الوباء، كان الإيطالي لا يزال يعيش الأمل في التغلب على الوباء. في حين أنّ الأمل فُقد في لبنان، وأصبح اللبناني متروكًا لمصيره، بعدما فقد كل الثقة في بلده، وهذا ما دفع به لعدم الإستجابة لقرار الإغلاق التام الذي أعلنته الحكومة. فبالنسبة إليه، هو في الحالتين يصارع الموت، إقتصاديًا كان أم وبائيًا. 
 
في السيناريو الإيطالي كان الدعم الغربي والدولي مفتوحًا على مصراعيه، أما في السيناريو اللبناني، فإنّ إقحام بعض الأحزاب في لبنان في صراع المحاور، سبّب حصارًا إقتصاديًا واضحًا، الأمر الذي جعل العملة الصعبة لتأمين المستلزمات الطبية والأدوية تختفي من المصارف والسوق، الأمر الذي وضعنا في حالة كارثية. 
 
إضافة إلى هذا، فإنّ السيناريو اللبناني قد أظهر قلّة وعي كل من المسؤول والمواطن على حدّ السواء. فبدل إغلاق البلاد، ارتأى المسؤول فتحها للإحتفال في الأعياد، وترك الناس تسهر وتمرح دون قيود ما رفع أعداد المصابين بالفيروس بشكل هستيري. بالمقابل، فإنّ استخفاف الشعب وقلة وعيه جعلا التخالط، سيما في الأماكن المغلقة كالإحتفالات المنزلية، دون أدنى التزام بمعايير الوقاية، يساعد على نشر الوباء وبسرعة فائقة. 
أمام هول السيناريو اللبناني وما ينتظر لبنان ما بعد انتشار كورونا وتفشّي الوباء، يخرج حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بتصريح يفرمل الدولار من السوق، ويدفع باللبنانيين لإخفائه في منازلهم، بدل التداول به في السوق. وقد صرّح سلامة عن انتهاء عصر تثبيت سعر صرف الليرة إزاء الدولار؛ فمن شأن هكذا تصريح وفي ظل عقوبات إقتصادية، وانتشار وباء كورونا، أن يخضّ البلاد نقديًا، في وقت هي بأمسّ الحاجة للسيولة بالعملة الصعبة، كي يتمّ شراء المستلزمات والأدوية والتجهيزات الطبية، لمكافحة الوباء.
 
لبنان يعاني أزمات متعاقبة، من الوباء، والحكومة المستقيلة، ورئيس حكومة مكلّف منذ أكثر من خمسة أشهر ولم يزل في مرحلة التأليف، إلى الكيدية السياسية. لبنان يعاني، وهناك البعض من مكوناته يريدون زجّه ضمن لعبة المحاور، الأمر الذي يفاقم عليه المزيد من العقوبات العربية والدولية. لبنان يعاني، وهناك فقدان للثقة بين الشعب والحكومة، نتيجة تردّي الأوضاع الإقتصادية، وسياسات مصرف لبنان التي أدّت إلى فقدان اللبنانيين مدخراتهم وجنى عمرهم. لذا، لن يكون لبنان في دائرة السيناريو الإيطالي، بقدر ما سيكون ضمن السيناريو اللبناني القابل للتعميم والمماثلة.
 
 
 


إقرأ المزيد