حاصباني رعى ندوة عن الأرثوذكس في لبنان: ليست المسألة بالتمثيل إنما بالقدرة على التأثير وإحداث التغيير
موقع القوات -

رأى نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة العامة غسان حاصباني أنه “في خضم كل التحديات العالمية والإقليمية والمحلية، على الطائفة الأرثوذكسية في المشرق أن تبدأ النظر الى المستقبل بطريقة أكثر استراتيجية، مستفيدة من قدراتها وتاريخها لتحسين أوضاعها وتحصينها من التحديات والمخاطر”.

كلام حاصباني جاء خلال رعايته ندوة نظمتها الرابطة اللبنانية للروم الأرثوذكس في لبنان بعنوان: “طائفة الروم الأرثوذكس في لبنان تاريخاً حاضراً ومستقبلاً” وشارك فيها النائب غسان مخيبر والمدير الطبي في مستشفى “أوتيل ديو”، رئيس الجمعية الثقافية الرومية البروفسور نجيب جهشان.

حضر الندوة التي أقيمت في مدرسة البشارة الأرثوذكسية في الأشرفية الأب ديمتري خوري ممثلاً متروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس الياس عودة، ورئيس التيار المستقل اللواء عصام أبو جمرة، والوزراء السابقون منى عفيش والياس حنا وغابي ليون والنائب السابق مروان أبو فاضل والقضاة نسيب إيليا ومروان عبود وإيلي بخعازي ورئيس الرابطة المارونية النقيب أنطوان قليموس ورئيس الرابطة اللبنانية للروم الأرثوذكس وأعضاء الرابطة وحشد من المهتمين والمعنيين.

ورأى حاصباني أنه “لا بد من الإنطلاق من مفاهيم عالمية وتحولات كبرى خارج الأرثوذكسية للتمكن من توصيف الحالة والحلول المقترحة للتحديات التي يواجهها الأرثوذكس المشرقيون في العالم”.

وقال: “إن العالم يشهد ثورات على مستويات عدة أهمها الثورة الاقتصادية والتكنولوجية، الثورة الاجتماعية والديمقراطية والثورة الجيوسياسية. وهذه الثورات تحدد معالم مستقبل العالم وهي متوقعة ان تستمر بالتفاعل والنضوج خلال العقود الاربعة المقبلة. فمع تطور التكنولوجيا ندخل عصراً صناعياً جديداً تتغير فيه متطلبات العمل مع المكننة فتصبح المهارات والخبرات المكتسبة في العقود الخمسة الماضية غير كافية للقيام بالأعمال المطلوبة واتخاذ القرارات القيادية السليمة فنرى أثراً سلبياً في الاقتصاد وزيادة في البطالة والفجوة بين الغني والفقير، والمؤهل لاستخدام التكنولوجيا واقتصاد المعرفة والأمي تكنولوجياً ومعلوماتياً. وذلك يؤدي الى ثورة اجتماعية مبنية على تمكين الأفراد على حساب المؤسسات، والمجموعات الصغرى على حساب الكيانات الكبرى فيتغير مفهوم الديمقراطية من مفهوم اكثري الى مفهوم تمثيلي لمكونات المجتمعات الصغرى. وقد تكون هذه المكونات إما عرقية او طائفية او عشائرية وقد تكون عابرة للحدود الجغرافية. ويصبح التنافس والتعاون بينها مبنياً على قدرتها في التأثير بعضها على بعضها. ولا بد من أن يكون لهذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية أثر على الصعيد الجيوسياسي يتمثل في نزعة الشعوب للعودة الى بنية لا مركزية تحفظ خصوصيات المكونات التي تشعر بالغبن من مكونات أخرى ضمن الكيان الأكبر. فنحن نرى اليوم ملامح هذه التحولات في المملكة المتحدة واسكتلندا واسبانيا (كاتالونيا تحديداً) واحتمالات في اليونان وبعض الدول الأوروبية الاخرى وهذا من دون ان نتحدث عما يحدث في منطقتنا من تغيرات على هذا الصعيد”.

وتابع حاصباني: “في هذا العالم الجديد لم تعد نظرية المؤامرة قائمة للتذرع بها تفسيراً لفشل الدول والمؤسسات بل اصبح واضحاً أن الشعوب تبحث عن عقد اجتماعي جديد وتواجه من قبل القوى التقليدية إما بقوة السلاح او بقوة المال لمنعها من الوصول الى اهدافها او على الأقل تأخيرها لربما تتحسن الأوضاع الاقتصادية وتعود المجتمعات الى الاستقرار. واذا نظرنا الى المسيحية في العقود الخمسة المقبلة، نرى ان أعدادها ستتقلص بسبب تقلص عدد الولادات وتراجع نسبة الخصوبة وزيادة عدد الوفيات لأن المجتمعات المسيحية حول العالم ليست فتية. اضافة الى ذلك، فإن غالبية الذين يتحولون الى طوائف أخرى هم من المسيحيين”.

وقال: “ينقسم المسيحيون الى: كاثوليك 1,2 مليار، بروتستانت 800 مليون، أرثوذكس 300 مليون، أنكليكان 85 مليون وغيرهم 41 مليون. وعلى الرغم من ان بداية المسيحية كانت في الشرق الأوسط، تضم اليوم هذه المنطقة أقل نسبة مسيحيين (5%) وأصغر عدد (17 مليون) بين كل المناطق الأخرى حول العالم التي يوجد فيها المسيحيون. وسكانها يندرجون من ضمن الـ10% من المسيحيين الذين يعيشون كأقليات والأسباب الأساسية هي الهجرة. ويقدر عدد المسيحيين في الشرق الأوسط بنحو 17,3 مليون نسمة، من بينهم 12,5 من الأرثوذكس يوزعون بغالبيتهم على مصر وسوريا ولبنان مع عدد كبير من المهاجرين الذين يعيشون في دول الخليج، خصوصاً في المملكة العربية السعودية. يشكل الأرثوذكسيون في المنطقة النسبة الأكبر من المسيحيين ونسبة 3,5% من عدد السكان الاجمالي وهم يلعبون أدواراً بارزة في الاقتصاد والعلوم ويشغلون مراكز ادارية وقيادية عديدة”.

وأردف قائلاً: “يعاني المسحيون، والأرثوذكس خصوصاً لأنهم أكثرية الأقلية، من الهجرة لأسباب عدة منها اقتصادية ومنها سياسية او اجتماعية، وذلك يهدد الوجود العددي على المدى البعيد. لكن انتشار الارثوذكس الانطاكيين يمتد على عدد كبير من البلدان.

وبالنسبة لأعداد الارثوذكس، فإن المؤسسات التابعة لطوائف اخرى مسيحية او غير مسيحية، تفوق عدد المؤسسات الارثوذكسية اذا ما نظرنا الى المدارس والمستشفيات والمستوصفات والجامعات. وتأثرت هذه المؤسسات بحكم انتشار الإرساليات الغربية قبل الحرب العالمية وبعدها. وفي خضم كل التحديات العالمية والإقليمية والمحلية، على الطائفة الأرثوذكسية في المشرق أن تبدأ النظر الى المستقبل بطريقة أكثر استراتيجية، مستفيدة من قدراتها وتاريخها لتحسين اوضاعها وتحصينها من التحديات والمخاطر”.

وإذ لفت إلى أن “المسألة ليست في التمثيل في الدولة أو خارجها”، قال: “التمثيل ليس بالأعداد بل بالقدرة على التأثير وإحداث التغيير الإيجابي المطلوب. ولا بد من البدء أولا بتحديد الأهداف. فهل الهدف هو تثبيت وجودنا وتفعيله في ارضنا، ام انه تأمين الديمومة والاستمرارية لحضارتنا أينما وجدت؟ ام ان الجواب يكمن في الاثنين معاً؟

اولا، اود ان اوضح الفرق، على الاقل من الناحية التي أراها بوضوح في ذهني، بين الكنيسة والطائفة والحضارة. فالكنيسة بحسب كيرلس الاورشليمي هي الكنيسة المقدسة الجامعة تمتد قوتها الروحية بلا حدود في كل العالم لأن الله – حسب ما هو مكتوب – قد جعلها ملجأ سلام. نتقبل منها التعليم ونسلك بتقوى لننال ملكوت السموات ونرث الحياة الأبدية. وجسم الكنيسة هو الاكليروس والشعب والتعليم يأتي من الاكليروس. والطائفة فهي مجموعة من الناس، لديهم فلسفة واحدة وتدمج مفهوم الفكر بالمفهوم العددي. اما الحضارة الارثوذكسية فهي الخليط بين الطائفة والكنيسة، هي عابرة للحدود، مبنية على تعاليم الكنيسة، قوية بمواردها وطاقاتها، فلسفتها الحياتية واحدة، انها وببساطة تطبيق الوصيتين الإلهيتين، الاولى وهي ان نحب الرب إلهنا والثانية ان نحب اخوتنا كأنفسنا. هذه الأسس قد تبدو غريبة للغرب او لبعض الحضارات الاخرى لانها تعني ان التطور لا يقاس بالتكنولوجيا او الاستهلاك او الامور المادية بل بالعلاقات غير الاستغلالية او العدوانية مع الاخرين حيث لا نحتل بلدان الاخرين او نملي عليهم طريقة عيشهم بل ننمي علاقات جيدة معهم. وهذا لا يعني اننا ضعفاء، او لا يمكننا ان نواجه الشر، بل اننا ندافع عن كل من هم اضعف منا. فحضارتنا ليست موجودة لاستغلال الآخرين بل لمحاربة الشر ونشر ثقافة التعاون بين الحضارات والدفاع عن هذه القيم”.

أضاف حاصباني: “في عالم اصبحت فيه الشبكات العابرة للحدود هي من الاكثر تأثيراً، والتواصل بين المجتمعات أكثر سهولة وصوت الفرد يعلو أحياناً على صوت المنظمات عبر الإعلام والتواصل الحديث، والاستشارة والشورى والمشورة مع الجماعة والأفراد أصبحت أمراً لا بد منه في آلية اتخاذ القرار بطريقة مستنيرة، والتعاون من اجل تطوير المجتمع يستبدل أحادية القرار والسلطات المركزية، وأنظمة ادارة العالم والدول والمؤسسات تتجه أكثر فأكثر الى اللامركزية في إدارة شؤونها. في هذا العالم، لا بد من ان نشكر الرب حق الشكر بأن كنيستنا الانطاكية مكونة من ابرشيات على امتداد العالم، وطائفتنا لديها الامكانات وحضارتنا مبنية على تنمية العلاقات الحسنة”.

ورأى أن “كل هذه العوامل تساعد على تأمين الديمومة في عالمنا المتغير محلياً إقليمياً وعالمياً”، قائلاً: “من المهم أيضاً ان نحافظ على ما لدينا وان نطور مكامن النقص واستعمال نقاط القوة لتقليص نقاط الضعف باتخاذ خطوات استراتيجية جريئة منها: تعزيز التواصل بين ابرشيات الكنيسة على المستوى الشعبي وبين الإكليروس والشعب على المستوى التعليمي وتمكين الإكليروس من استخدام التكنولوجيا للتخاطب بطريقة ابوية رعائية والتفاعل مع الآراء المخلصة ودحض الافكار الهدامة والمغرضة؛ استجماع الطاقات المادية والفكرية والبشرية وقدرات التأثير لبناء المؤسسات ونشرها على اوسع نطاق، لتطوير المجتمع وتعزيز الحضارة الارثوذكسية في بلادنا والانتشار؛ الاستفادة من الهيكلية اللامركزية لبناء علاقة وثيقة مع المجتمعات الحاضنة والمحيطة بأبرشيات الكنيسة على المستوى المحلي، وتعزيز المرونة في إدارة الشؤون بالتعاون بين الاكليروس والشعب؛ الاعتماد على ابناء الطائفة المنتشرين عالمياً، والموزعين في اتجاهات سياسية ومؤسسات مختلفة، والناشطين اقتصادياً، على بناء علاقات وشبكات مؤسساتية مؤثرة؛ عدم الخلط بين مفهومي الوحدة والمركزية في ادارة شؤون الطائفة، فيمكن للطائفة ان تكون موحدة بالفكر والفلسفة والتعاليم على مساحة العالم، ومتعاونة ضمن شبكة علاقات وتواصل بين وحداتها المتفرقة جغرافياً. فالخبرة اظهرت ان طريقة “فكر عالمياً وتصرف محلياً” كانت سر استمرارية المؤسسات الكبرى الواسعة الانتشار. التفكير والتخطيط المركزي لرسم الخطوط العريضة للاستراتيجيات والعمل اللامركزي على تطبيقها بحرية يساعد بشكل كبير على تخطي الصعوبات وتسهيل تضافر الجهود. وقد يساعد ذلك في تعزيز فعالية الطائفة في مجتمعها كما هي الحال في الكنيسة”.

واستعاد قول بولس الرسول في رسالته الثانية الى تيموثاوس وفيها: “الله لم يعطنا روح الفشل، بل روح القوة والمحبة والنصح”، وختم: “بروح القوة والانفتاح والتعاون والنصح والتواضع، نؤمّن استمرارية الحضارة التي عاشت آلاف السنين وأنا واثق من انها ستستمر بنعمة ومحبة الله وتعاضد أبنائها”.



إقرأ المزيد